ما الذي يجب على أستراليا أن تستوعبه من تجربة أوكرانيا
مع اقتراب إعلان استراتيجية الدفاع الوطنية الجديدة، كشفت الحكومة الأسترالية بقيادة Anthony Albanese عن خطط لزيادة الإنفاق على الطائرات بدون طيار وأنظمة التصدي لها بمليارات الدولارات. هذه الخطوة تعكس إدراكاً متزايداً بأن طبيعة الحروب الحديثة لم تعد كما كانت، وأن ما يحدث في أوكرانيا والشرق الأوسط يحمل دروساً لا يمكن تجاهلها.
لكن القضية لا تتعلق فقط بالتكنولوجيا المتقدمة، بل بتحول أعمق في طريقة التفكير العسكري. اليوم، لم تعد القوة تُقاس فقط بمدى تطور السلاح، بل أيضاً بقدرته على الإنتاج بكميات كبيرة وبتكلفة منخفضة.
تحوّل سريع في طبيعة الحروب
منذ اندلاع الغزو الروسي لأوكرانيا، أصبح العالم يشهد تطوراً غير مسبوق في استخدام الطائرات المُسيّرة. فقد اعتمدت روسيا على طائرات رخيصة نسبياً، بدعم من إيران، لتنفيذ هجمات مكثفة تُغرق الدفاعات الأوكرانية.
هذا الواقع فرض على الطرفين تغيير استراتيجياتهما بسرعة. لم يعد الهدف هو امتلاك أفضل طائرة فقط، بل إنتاج أكبر عدد ممكن منها بأقل تكلفة.
في المقابل، نجحت أوكرانيا في التحول إلى واحدة من أبرز الدول في هذا المجال، حيث رفعت إنتاجها إلى ملايين الطائرات سنوياً، وطوّرت أنظمة دفاعية قادرة على التعامل مع هجمات جماعية مكثفة.
من التعقيد إلى البساطة الذكية
في البداية، ركزت الحرب على الطائرات الصغيرة، لكن الاتجاه الآن يتجه نحو طائرات ثابتة الجناح، تتميز بمدى أطول وقدرة أعلى على التحمل.
المثير للاهتمام أن كثيراً من هذه الطائرات يُصنع من مواد بسيطة مثل الخشب أو البلاستيك، ويمكن إنتاجها في ورش صغيرة، لكنها في الوقت نفسه فعّالة جداً في المعركة. الفكرة الأساسية أصبحت واضحة:
السلاح الأرخص والأكثر عدداً قد يكون أحياناً أكثر تأثيراً من السلاح المتطور والمكلف.
لماذا يهم هذا أستراليا؟
تختلف أستراليا عن أوكرانيا في الجغرافيا والظروف، لكنها تواجه تحديات مشابهة من حيث الحاجة إلى حماية مساحات شاسعة وبموارد محدودة.
حاليًا، تعتمد أستراليا بشكل كبير على أنظمة متقدمة لجمع المعلومات والمراقبة، لكنها لا تمتلك بعد القدرة الصناعية الكبيرة لإنتاج الطائرات المُسيّرة بكميات ضخمة.
وهنا تظهر أسئلة مهمة:
- كيف يمكن مواجهة هجمات تعتمد على أعداد كبيرة من الطائرات البسيطة؟
- هل من المجدي استخدام أنظمة دفاع باهظة الثمن ضد أهداف رخيصة؟
- وهل تستطيع البلاد إنتاج ما تحتاجه بسرعة عند الأزمات؟
الحاجة إلى استراتيجية متعددة الطبقات
التجارب الحديثة أثبتت أن الاعتماد على الأنظمة المتقدمة فقط لم يعد كافياً. المطلوب هو مزيج ذكي يجمع بين:
- أنظمة قوية لمواجهة التهديدات المعقدة والسريعة
- وأخرى منخفضة التكلفة للتعامل مع الأعداد الكبيرة من الطائرات البسيطة
هذا التوازن هو ما سيحدد قدرة أي دولة على الصمود في الحروب القادمة.
اقتصاد الحرب… العامل الحاسم الجديد
في الماضي، كانت الحروب تُحسم عبر الدبابات والمدفعية والإنتاج الصناعي الضخم. أما اليوم، فالعامل الحاسم أصبح مختلفاً:
من يستطيع إنتاج أكبر عدد من الأنظمة القتالية بأقل تكلفة؟
لقد أظهرت إيران كيف يمكن للأسلحة الرخيصة أن تُحدث تأثيراً كبيراً، بينما أثبتت أوكرانيا أن الابتكار والإنتاج السريع يمكن أن يعادلا الكفة حتى أمام خصم أقوى.
صراع الكفاءة
الحرب في أوكرانيا ليست مجرد صراع على الأرض، بل هي أيضاً صراع على التكلفة والكفاءة.
وبالنسبة لأستراليا، فإن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في امتلاك التكنولوجيا المتقدمة، بل في القدرة على استخدامها بذكاء، وإنتاجها بكميات كبيرة، وبتكلفة يمكن تحملها.
في عالم يتغير بهذه السرعة، قد لا يكون الأقوى هو من يملك أفضل سلاح… بل من يملك العدد الأكبر بالسعر الأقل.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

