قصة صعود الذكاء الاصطناعي في دور الرعاية الأسترالية
مع تسارع التطور التكنولوجي، بدأت ملامح تحول كبير تظهر في قطاع رعاية كبار السن في أستراليا. فبين روبوتات تتحدث مع المسنين، وتطبيقات تراقب حالتهم الصحية، وأدوات ذكية تساعد الأطباء، يبدو أن الذكاء الاصطناعي على وشك أن يصبح جزءًا أساسيًا من حياة هذه الفئة.
يرى بعض المختصين أن هذه التقنيات قد تُحدث نقلة نوعية، خاصة في مواجهة مشكلة الوحدة التي يعاني منها كثير من كبار السن، إلى جانب تحسين جودة الرعاية الصحية. لكن في المقابل، يحذر آخرون من مخاطر حقيقية، خاصة في ظل غياب تنظيم واضح يحدد كيفية استخدام هذه التكنولوجيا.
حتى الآن، لا يزال استخدام الذكاء الاصطناعي في هذا المجال داخل أستراليا محدودًا وتجريبيًا، على عكس دول مثل اليابان والولايات المتحدة التي قطعت شوطًا أكبر. الحكومة الأسترالية بدورها بدأت بالفعل دراسة كيفية إدخال هذه التقنيات بشكل آمن، حيث أطلقت خطة وطنية تهدف إلى دمج التكنولوجيا في قطاع الرعاية دون التأثير على العنصر البشري.
من أبرز استخدامات الذكاء الاصطناعي حاليًا ما يُعرف بـ”المساعدات الرقمية”، التي تقوم بتدوين ملاحظات الأطباء تلقائيًا، أو تسهّل التواصل مع المرضى بلغات مختلفة، بالإضافة إلى أدوات تساعد في تقييم الحالة الصحية. هذه التقنيات لا تستبدل العاملين، بل تخفف عنهم الأعباء الروتينية، ما يمنحهم وقتًا أكبر للتفاعل الإنساني مع المرضى.
كما يتم استخدام أجهزة ذكية مثل الكاميرات القادرة على رصد السقوط أو التغيرات المفاجئة في سلوك المريض، وأجهزة قابلة للارتداء تتابع المؤشرات الحيوية بشكل مستمر. الهدف هنا هو التدخل المبكر قبل تفاقم أي مشكلة صحية.
ومن بين أكثر الابتكارات إثارة للاهتمام، الروبوتات المصممة لمرافقة كبار السن. هذه الروبوتات تستطيع التحدث، تذكر المحادثات السابقة، بل وحتى المشاركة في أنشطة يومية مثل الغناء أو التمارين. بعض النماذج موجهة خصيصًا لمرضى الخرف، حيث تساعدهم على التفاعل وتحفيز الذاكرة.
لكن رغم هذه الفوائد، يبقى السؤال الأهم: هل يمكن للتكنولوجيا أن تعوض العلاقات الإنسانية؟ تشير الدراسات إلى أن نسبة كبيرة من الأستراليين فوق سن 65 يشعرون بالوحدة، وهو ما يجعل هذه الحلول جذابة. ومع ذلك، يرى بعض الباحثين أن الوحدة ليست مجرد غياب التواصل، بل تتعلق بجودة العلاقات، وهو أمر يصعب على الآلات تعويضه.
هناك أيضًا مخاوف أخلاقية وأمنية. فبعض الجهات حذرت من إمكانية التلاعب بالمستخدمين أو اعتمادهم الزائد على هذه الأنظمة للحصول على دعم عاطفي. كما أن تخزين البيانات الشخصية لدى شركات تقنية يثير تساؤلات حول الخصوصية، خاصة عندما لا تكون هذه الشركات متخصصة في الرعاية الصحية.
ويخشى خبراء من أن هذه الأنظمة، المصممة أساسًا من قبل مهندسين، قد لا تراعي الجوانب النفسية والإنسانية بشكل كافٍ، ما قد يؤدي إلى نتائج عكسية، خصوصًا لدى الأشخاص الذين يعانون من الاكتئاب أو العزلة.
في النهاية، يبدو أن الذكاء الاصطناعي يحمل فرصًا كبيرة لتحسين حياة كبار السن، لكنه في الوقت نفسه يفتح بابًا لتحديات معقدة. النجاح في هذا المجال لن يعتمد فقط على قوة التكنولوجيا، بل على كيفية استخدامها بحكمة، مع الحفاظ على التوازن بين الابتكار والإنسانية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

