في مزرعته، لم يكن المزارع دين كايلي معتادًا على طلب المساعدة من الآخرين، لكن الظروف الأخيرة أجبرته على ذلك. فمع تداعيات الحرب في إيران، وجد نفسه يبحث عن طن واحد فقط من السماد من جيرانه، بعدما أصبح الحصول عليه مهمة صعبة.

يقول كايلي إن مزرعته تحتاج في المتوسط إلى نحو 70 طنًا من السماد، خاصة النيتروجين الضروري لنمو المحاصيل. لكن إغلاق مضيق هرمز بسبب التوترات العسكرية أدى إلى نقص حاد في مادة اليوريا، وهي عنصر أساسي في تصنيع الأسمدة. وببساطة، كما يوضح: لا يمكن لأي محصول أن ينمو دون ماء وسماد.

اعتماد مقلق على الخارج

منذ إغلاق آخر مصنع لإنتاج اليوريا في أستراليا قبل سنوات، أصبحت البلاد تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، حيث يأتي نحو 60% من الإمدادات من منطقة الخليج. ومع تعطل سلاسل التوريد، أصبح المزارعون يترقبون وصول السفن المحملة بالأسمدة وكأنهم في سباق مع الزمن، خاصة مع اقتراب موسم الزراعة الشتوي.

لكن هذا الوضع لم يكن دائمًا كذلك. فقد كانت أستراليا تمتلك قدرات إنتاج محلية، من بينها منشأة في “جزيرة جيبسون” قرب بريزبان، والتي أغلقت أبوابها عام 2023 بعد أكثر من نصف قرن من العمل، بسبب ارتفاع تكاليف الغاز الطبيعي.

أسباب التراجع الصناعي

يرى خبراء القطاع أن تراجع صناعة الأسمدة محليًا يعود إلى عدة عوامل، أبرزها ارتفاع تكاليف الطاقة، إضافة إلى القوانين البيئية وتعقيدات سوق العمل. وبما أن إنتاج الأسمدة النيتروجينية يعتمد بشكل أساسي على الغاز، فإن ارتفاع أسعاره جعل الإنتاج المحلي غير مجدٍ اقتصاديًا.

ورغم هذا التراجع، لم تختفِ الصناعة تمامًا. فهناك محاولات لإحيائها من جديد، أبرزها مشروع ضخم في غرب أستراليا تسعى من خلاله شركة “بيردامان” لإنتاج أكثر من مليوني طن من اليوريا سنويًا.

بوادر عودة الصناعة

يحظى هذا المشروع بدعم حكومي كبير، مع استثمارات بمئات الملايين من الدولارات، ومن المتوقع أن يبدأ الإنتاج بحلول عام 2027، وربما قبل ذلك. وترى الحكومة أن هذا التوجه يمثل خطوة مهمة لتعزيز الأمن الاقتصادي وتقليل الاعتماد على الخارج.

كما تدرس السلطات خيارات لخفض تكاليف الغاز، مثل فرض سياسات لحجز جزء من الإنتاج المحلي للسوق الداخلية أو التدخل في الأسعار.

أزمة حالية… وارتفاع الأسعار

في الوقت الحالي، لا تزال أستراليا تعتمد على الواردات، حيث استوردت نحو 3.8 مليون طن من اليوريا خلال عام 2025. ومع اندلاع الحرب، ارتفعت الأسعار بنحو 60%، في ظل نقص الإمدادات.

ورغم وصول شحنات جديدة في الطريق، يحذر الخبراء من أن الكميات قد لا تكفي لتلبية الطلب خلال الموسم الزراعي بالكامل، خاصة في مرحلة التسميد الثانية بعد الزراعة.

بدائل محدودة وتحديات مستمرة

في ظل هذه الأزمة، يُطلب من المزارعين البحث عن بدائل، لكن الخيارات ليست دائمًا سهلة أو متاحة. كما بدأ البعض يطالب بتحميل جزء من التكاليف المتزايدة على المستهلكين.

ورغم امتلاك أستراليا احتياطيات كبيرة من الفوسفات، وهو مكون آخر للأسمدة، إلا أن معظم المنتجات النهائية لا تزال تُستورد أيضًا، بسبب ارتفاع تكاليف الإنتاج محليًا.

هل تكون الأزمة نقطة تحول؟

قد تكون هذه الأزمة بمثابة جرس إنذار يدفع أستراليا لإعادة التفكير في سياساتها الصناعية، خاصة في القطاعات الحيوية مثل الزراعة. فاستعادة القدرة على إنتاج الأسمدة محليًا لم تعد مجرد خيار اقتصادي، بل أصبحت ضرورة لضمان الأمن الغذائي في مواجهة الأزمات العالمية.