أخاف على لبنان! لأن وطني ليس بخير، انه اليوم ليس فقط متعبًاً مدمراً، بل مُستنزف ومكشوف، والخوف هذه المرة ليس عابرًا، بل عميق ومؤلم، لأنه يمسّ جوهر الوطن، لا تفاصيله فقط. لبنان كان وما زال ضحية حرب الآخرين على أرضه، لذا أخاف عليه من هذا التزاحم القاسي للمصالح الدولية الإقليمية والمحلية، من هذه التجاذبات التي لا ترى فيه موطناً لنا، بل ساحة صراع لتصفية حساباتهم على حساب اللبنانيين.
لبنان ليس ساحةً لحروب الآخرين ولا ورقةً لتصفية حسابات الخارج، فحين تُفرض عليه صراعات لا تنبع من مصلحته، يصبح الوطن هو الخاسر الأول، وتتعرّض سيادته ووجوده للخطر، فيما الشعب اللبناني هو الضحية الكبرى وهو الذي من يدفع الثمن الباهظ من دمه ورزقه، ومن أمنه واستقراره ومستقبل أبنائه.
أخاف على لبنان! لان وطني يتعرض لاختبار وجوديّ لجوهره كدولة ووطن. ولأول مرة ينتابني احساس مقلق وشعور صاخب، شعور الخوف الحقيقي على لبنان! ليس خوفًا من حربٍ عابرة تعلّمنا كيف ننجو منها، ولا من أزمةٍ اعتدنا أن نتخطاها ونكمل، ولا من احتلالٍ صدَدناه وقاومناه، وواجهناه بإرادةٍ لا تلين حتى غادر المحتل مرغَمًا، بل خوفٌ من زمنٍ يبدو فيه الوطن نفسه مهددًا في معناه ووجوده. خوف يشبه وجعًا صامتًا، يسكن القلب ولا يغادره، كأن هذا البلد الذي اعتاد الوقوف على حافة الهاوية يواجه اليوم عمقًا أشد وغموضًا أكبر وخطراً وجودياً.
أخاف على لبنان! أخاف على أن لا يبقى لبنان كما عرفناه. ان هذا الإحساس لم يعد خوفاً فردياً ولا عابراً بل شعور جماعي، يعيشه كل اللبنانيين يومياً في تفاصيل حياتهم. الكل يشعر أن الأمور قد تتجه نحو الأسوأ، دون وضوح في الاتجاه أو القدرة على التوقع ما سيحصل في الايام الآتية، لان القرار في لبنان ليس سيادياً بالكامل، بل مرهون بتأثير قوى خارجية تتدخل في الشؤون السياسية والأمنية، ما يحدّ من قدرة الدولة اللبنانية على اتخاذ قرارات مستقلة.
أخاف على لبنان! الذي يعيش اليوم مرحلةً من الأقسى في تاريخه اذ يقف لبنان عند مفترق طرق حاد وخطير، حيث قرار السلم والحرب ليس بيد الدولة والجيش، حيث السلاح المتفلت بيد حزب الله الذي يخوض حروبًا مستمرة مدفوعة بمصالح خارجية ايرانية، فكانت المواجهة الأولى تحت عنوان مساندة غزة، ثم تلتها جولة أخرى بدافع الانتقام لمقتل الخامنئي، وهي حروب لا تعبّر عن مصلحة لبنان، لا ناقة لنا فيها ولا جمل. هكذا في ظل ازدواجية السلاح والقرار، أصبح الشعب اللبناني يدفع فاتورة لم يوقّع عليها: حروبٌ لا تنتهي أدّت إلى نزوح أكثر من مليون لبنانيّ، وخلّفت ذلًّا ودمارًا هائلًا وآلاف القتلى، والدولة تتآكل بمؤسّساتها، والاقتصادُ منهار، والثقةُ شبهُ مفقودةٍ بين الدولة والناس، كما يتزايدُ الإحساس بعدم الأمان.
أخاف على لبنان! أخاف على جنوبه من العدوان الاسرائيلي الذي دمر قراه وسويت أرضاً، وقد سقي ترابه بدماء أبنائه الشهداء. أخاف على ملامح البيوت التي مُحيت ودفنت تحتها سنواتُ شقاءٍ وغربةٍ، وجنى عمرٍ كاملٍ ضاع بين الركام. أخاف على أهله الذين نزحوا إلى المجهول وحملوا مفاتيحهم ومضوا نحو تيهٍ لا ينتهي أملًا بالعودة. إلّا أنّ خوفًا حقيقيًا يتسلّل إلى قلوبهم من أن لا يكون هذا النزوح عابرًا بل بداية غيابٍ طويل، يتحوّل فيه الرحيل إلى إقامة، ويضيع معه الأمل بالعودة، اذ يبدو اليوم أقرب إلى الحلم المستحيل ولاسيما بعد توغل القوات الاسرائيلية في جنوب لبنان لان ما يجري لم يعد سراً بل علناً وقد تم اعلان جنوب لبنان منطقة عازلة مع تفريغ اللبنانيين منه لتغيير الحدود ونقل الخط الازرق الى الليطاني.
أخاف على مسيحيي الجنوب، المقاومين الحقيقيين الذين تشبّثوا بقراهم وبقوا فيها، المتجذّرين في تراب أرضهم، المصرّين على البقاء في منازلهم رغم الخطر الذي يحيط بهم من كل صوب، ورغم الصعوبات الحياتية التي تواجههم. إنهم محاصرون، عالقون بين نارين لا ترحم ولا ملجأ لهم إلا رحمة ربّنا. تركتهم الدولة اللبنانية بعدما غادرهم الجيش اللبناني وفيما بعد قُطِّعت أوصال قراهم بقطع الجسور والطرقات، فهذه ليست مجرد طرقات قُطعت، بل خيوط حياةٍ انقطعت، وكأن القلب فُصل عن جسده ليُعزل عن باقي لبنان، لا جغرافيًا فقط، بل إنسانيًا وحياتيًا أيضًا، ليتركوا وحيدين في مواجهة الخطر، مع هذا الإحساس الثقيل بالانعزال عن لبنان بعدما اعتادوا أن يكونوا في قلب الوطن لا على هامشه، ينتظرون اليوم مصيرهم المجهول.
أخاف على لبنان! في كل جهاته، فشرقه يتعرض أيضاً لغارات جوية إسرائيلية مكثفة تعتبر من الأعنف. كما شماله مهدد من تدخل عسكري سوري، اما بيروت فهي تتعرض يومياً لقصف جنوني بهدف تحويلها الى غزة ثانية، كما تواجه تهديدًا مستمرًا لسلمها الأهلي، عقب محاولات لزعزعة الاستقرار وجرّ البلاد إلى الفوضى، ولا سيما بعد فشل مخطط الانقلاب على الدولة.
أخاف على لبنان! حتى بحره الهادئ بات هائجاً يهدر تحت ظلال البوارج الحربية وصوت الراجمات، وسماؤه الصافية لم تعد زرقاء كما عهدناها فأصبحت ملبدة بالمسيرات الحربية التي حجبت نور الشمس. لم يعد يوجد مكانٌ آمن ولا سقفٌ محميّ في كل أرجاء لبنان، ولا مدني مسالم في منزله بمنأى عن خطر الموت، كأن الطمأنينة انكسرت وغادر الأمان، تاركًا الوطن مكشوفًا على وجعٍ وخوف وقلقٍ لا ينتهي.
أخاف على لبنان! لأنني أعشقه وأعرفه جيداً، أعرف جباله الشامخة التي لا تنحني، ووديانه التي تصدح بالصلاة بقدّيسيه الذين باركوا ترابه، ليذكّرونا أن لبنان لم يكن يومًا مجرد وطن بل رسالة حياة، اعرف أنهاره الغزيرة، ولا سيما نهر الليطاني الذي شكّل عبر التاريخ موردًا مائيًا مهمًا، وكنا ندرس في المدرسة أنه كان يُعدّ محلّ اهتمام وطمعٍ إقليمي من إسرائيل منذ زمن بعيد. أعرف شعبه المقاوم المتعلق بأرضه والمحب للحياة وناسه الذين تعبوا، لكنهم لم يتخلّوا يومًا عن حبّه. أخاف أن يصبح هذا كله ذكرى، أو أن يتغيّر بصمتٍ ونحن ننظر ولا نستطيع أن نفعل شيئًا.
أخاف على لبنان! هذا الوطن الذي لم يعد يعرف سكونه، ولا يُمنح لحظة سلام، إلا أنه عبر تاريخه، أظهر قدرة لافتة على الصمود وإعادة النهوض. لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها، أن الصمود هذه المرة أصعب، وأن الكلفة قد تكون أكبر. هذا البلد ليس مجرد أرض، بل حكاية صمود تُروى عبر الزمن. مرّ بالمحن، وواجه العدوان، وتعثّر مرارًا، لكنه لم يسقط.
إلا أنني سأهزم خوفي، ولن أكون أسيرة قلقي رغم العتمة كلها، فإيماني الراسخ بوطني يمنحني ثباتًا بان لبنان باقٍ، لأن فيه شعبًا يؤمن بالحياة والسلام رغم كل شيء، ويتمسك بالامل. لبنان سيبقى هو الذي صاغ من الألم قوة، ومن الركام بداية جديدة كطائر الفينيق، اذ كلما ظنّه العالم قد خمد، نهض من رماده أكثر إشراقًا وصلابة كما كان دائمًا، وطنًا ينهض من بين الرماد، ويكتب قصة انتصاره مرة بعد مرة


