في السنوات الأخيرة، ركّزت السياسات التعليمية في أستراليا بشكل كبير على تشجيع الفتيات على الالتحاق بالتعليم العالي، وهو هدف مهم وحقق نجاحاً واضحاً في تقليص الفجوة بين الجنسين. لكن هذا النجاح، كما يبدو اليوم، جاء على حساب فئة أخرى بدأت تتراجع بشكل ملحوظ: الشباب الذكور.
أعداد متزايدة من الشبان لم تعد تصل إلى الجامعات، وبالتالي تفقد فرصاً حقيقية لتحسين مستقبلها المهني والاجتماعي. فالحصول على شهادة جامعية لم يعد مجرد إنجاز أكاديمي، بل أصبح بوابة أساسية لوظائف أفضل ودخل أعلى وحياة أكثر استقراراً.
المشكلة لا تقتصر على التعليم الجامعي فقط، بل تمتد عبر مختلف مراحل النظام التعليمي، حيث يظهر تراجع واضح في أداء الذكور مقارنة بالإناث. هذا الواقع دفع الحكومة إلى التحرك، إذ أعلن وزير التعليم الفيدرالي جيسون كلير عن نية إطلاق تحقيق برلماني لدراسة أسباب الفجوة بين البنين والبنات، بدءاً من نتائج اختبارات NAPLAN وصولاً إلى نسب الالتحاق بالجامعات والتدريب المهني.
الدراسات الحديثة تؤكد خطورة الوضع. فقد أظهرت بيانات أن نحو ثلث الرجال فقط ممن تتراوح أعمارهم بين 25 و34 عاماً يحملون شهادة جامعية أو أعلى، مقارنة بحوالي نصف النساء في نفس الفئة العمرية. والأخطر أن هذه الفجوة في تزايد مستمر.
وتتضح المشكلة بشكل أكبر عند النظر إلى الفروقات بين الولايات ونوع التعليم. ففي ولايات مثل كوينزلاند وتسمانيا، لا تتجاوز نسبة الذكور من خريجي المدارس الحكومية الذين يحصلون على شهادة جامعية 18%. أما في نيو ساوث ويلز، ورغم أنها الأفضل نسبياً، فإن النسبة تصل إلى 27% فقط للذكور مقابل 40% للإناث.
حتى في المدارس الخاصة أو الكاثوليكية، حيث تكون النتائج أفضل نسبياً للذكور، تظل الإناث متفوقات بشكل واضح. ما يعني أن نوع المدرسة والجنس يلعبان دوراً حاسماً في تحديد فرص الوصول إلى التعليم العالي.
هذا الواقع يطرح تساؤلات جدية حول عدالة النظام التعليمي، وهل يوفّر فعلاً فرصاً متساوية للجميع؟ كما يثير مخاوف أكبر بشأن مستقبل الشباب الذكور في سوق عمل سريع التغير، حيث تشير التوقعات إلى أن 90% من الوظائف الجديدة خلال العقد القادم ستتطلب تعليماً بعد المرحلة الثانوية.
إذا استمر هذا الاتجاه، فقد نجد أنفسنا أمام جيل من الشباب يشعر بالتهميش، وهو ما قد ينعكس سلباً على التماسك الاجتماعي ويزيد من الإحساس بعدم الإنصاف.
في مواجهة هذه التحديات، بدأت بعض الجامعات، مثل Western Sydney University، في تطوير برامج جديدة تهدف إلى جذب المزيد من الشباب الذكور. وتشمل هذه المبادرات فرص “التعلم مع العمل”، والتدريب العملي، وبرامج التدريب المهني المرتبطة بالشهادات الجامعية.
كما يجري العمل على شراكات مع NSW TAFE لتسهيل انتقال الطلاب من التعليم المهني إلى الجامعي، مما يمنحهم مسارات أكثر مرونة للوصول إلى الشهادات العليا.
ورغم هذه الجهود، يبقى ارتفاع تكلفة الدراسة الجامعية عائقاً كبيراً. إذ يرى كثيرون أن نظام الرسوم الحالي يثقل كاهل الطلاب بالديون، ويجعل التعليم العالي خياراً صعباً، خاصة لمن لا يملكون دعماً مادياً كافياً.
في النهاية، إذا كانت أستراليا قد نجحت في دعم الفتيات للوصول إلى التعليم الجامعي، فقد حان الوقت لإعادة التوازن، ومنح الشباب الذكور نفس الفرص للحاق بالركب، قبل أن تتحول هذه الفجوة إلى أزمة أعمق يصعب علاجها.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

