إيران الأمريكية
فيك الخصام، وأنت الخصم والحكم
د.خالد جمال
منذ سنوات، قمت بزيارة إلى ولايتي كاليفورنيا وسان دييغو الأميركيتين، وتفاجأت بعدد الإيرانيين هناك، وطبيعتهم القريبة من الأميركيين، وأعمالهم التي تنوعت من سائق تاكسي إلى تاجر مجوهرات. لم أرَ لديهم أي صعوبة في الانخراط في المجتمع الأميركي. وحين عملت في دولة الإمارات العربية المتحدة، تعرفت إلى بعض الإيرانيين من مختلف المشارب والأعمال، ولم أجد عندهم أي مشاعر ضغينة تجاه أميركا بشكل خاص، أو تجاه الغرب بشكل عام.
هذا يطرح التساؤل: كيف يمكن لشعب يرفع نظامه شعارات العداء لأميركا، حتى حد تشبيهها بـ”الشيطان الأكبر”، أن يكون ودوداً وقريباً من أميركا والأميركيين ونمط حياتهم؟
لكن عند مراجعة التاريخ، منذ نشوب الثورة الإسلامية في إيران عام 1979 حتى يومنا هذا، ومع اختلاف الإدارات الأميركية بين ديمقراطية وجمهورية، لم أجد تصدياً جذرياً للنظام الإيراني من قبل الأميركيين، رغم تعدد الأسباب وتنوعها التي قد تؤدي إلى ذلك. حتى وقوع هجوم أكتوبر 2023 من قبل حماس وحرب الإسناد، دون أن ننسى أن إيران نفت أي علاقة لها بالأمر، وكان الإسناد ضعيفاً، حتى بادرت إسرائيل إلى التصعيد بعملية “البيجر”، ثم باغتيال حسن نصرالله، وبعدها بحرب الاثني عشر يوماً.
في الأصل، كان هدف إيصال الإسلاميين إلى السلطة في إيران هو إتمام الحصار على الاتحاد السوفيتي، واستمرارهم في الحكم كان بسبب أدائهم كل ما يلزم ويخدم أميركا في اللعبة الكبرى التي كانت تدور في أوراسيا. ولقد دأبت أميركا على مكافأة إيران، حتى توّجتها بالاتفاق النووي الشهير أيام إدارة الرئيس أوباما. على الأقل، قامت أميركا بضرب العراق وقلبت نظامه، وكان شوكة في حلقها، وكذلك قامت بضرب نظام طالبان في أفغانستان أيام كان بن لادن يملك التأثير القوي.
ثم فتح الباب على مصراعيه، فسمحت لحزب الله اللبناني بالسيطرة على لبنان والتمدد في سوريا، قبل أن تتبعه القوات الإيرانية، والتوغل والتدريب في كل من العراق واليمن، ومحاولة زعزعة الاستقرار في الدول الخليجية. وحتى حين قام الحوثيون والعراقيون بقصف السعودية ودولة الإمارات، تم غض النظر عن هذا الأمر. الأبواب كانت مشرعة للنفوذ الإيراني في كل المشرق العربي دون استثناء، ولم يحدث أكثر من فرض عقوبات على بيع النفط الإيراني.
الآن يبدو أن الأمر قد تغير، ولكن بحدود. وما زال السؤال حول طبيعة النظام وتغييره قائماً، وما زال الأميركيون يبحثون عن صفقة لا نعرف تفاصيلها وما تشمله. ولكن الأكيد أن إيران، كيفما كانت وبمن تمثّلها، ضرورة حيوية لأميركا في لعبة الصراع الكبرى. ولا تستثنى من ذلك كل الإدارات، بما فيها إدارة ترامب. ولكن الذي يحمل أجندة مختلفة هم الإسرائيليون، وأولهم نتنياهو. فهل ينجحون في تمريرها أم تفوز المصالح الكبرى؟

