تحالف “الترانس-تاسمان” 2035
لم يكن اجتماع الثلاثاء بين وزراء الخارجية والدفاع في أستراليا ونيوزيلندا مجرد بروتوكول دبلوماسي عابر، بل كان عرضاً متقناً لـ “فن إدارة الدولة” والتناغم الاستراتيجي. لقد نجح اللقاء في إحداث توازن دقيق بين طموح بناء منصة “أنزاك” (ANZAC) للتعاون العسكري الموحد بحلول عام 2035، وبين صياغة واضحة للمصالح المشتركة في منطقة المحيط الهادئ وما وراءها.
وداعاً لسياسة “الأمور ستسير على ما يرام”
تأسس اجتماع (ANZMIN) في عام 2024 لسد فجوة خطيرة؛ فلفترة طويلة، ساد اعتقاد بأن العلاقات الشخصية والتاريخ المشترك بين كانبيرا وويلينغتون تغني عن الأطر الرسمية. لكن في عالم يزداد خطورة، لم يعد نهج “العفوية” كافياً. إن الجلوس المنتظم على طاولة واحدة ليس مجرد تنسيق، بل هو ضرورة لمواجهة التهديدات برؤية موحدة، وإرسال رسائل طمأنة للداخل والخارج بأن الحلفاء الأقرب لا يتركون الأمور للمصادفة.
سلاح الجو والبحر: ما وراء صفقات الشراء
بينما يترقب المحللون قرار نيوزيلندا بشأن اختيار فرقاطات يابانية أو بريطانية، فإن الجوهر الحقيقي يتجاوز نوع السفينة. إن اختيار نيوزيلندا للتصميم الياباني (Mogami) قد يعزز التكامل مع أستراليا ويفتح الباب لترتيبات دفاعية ثلاثية مع طوكيو لتأمين ممرات التجارة البحرية.
لكن الاستراتيجية الحقيقية تكمن في “التكامل الصامت”؛ مثل الصيانة المشتركة لطائرات “بوسيدون P-8” ومروحيات “سيهوك”، وتحويل المنطقة إلى مركز دعم لوجستي لشركاء “العيون الخمس”. إن دمج طائرة نيوزيلندية مؤخراً ضمن وحدة أسترالية لتعمل تحت نداء واحد ليس مجرد تدريب، بل هو إعلان عن ذوبان الحدود العملياتية بين الجيشين.
معضلة السيادة وظلال التنين الصيني
تدرك كانبيرا أن تقاربها مع نيوزيلندا يثبت قدرتها على الجمع بين التحالف مع واشنطن وتقوية الروابط الإقليمية. في المقابل، تواجه ويلينغتون تحدي الرد على الانتقادات الداخلية التي ترى في هذا التكامل ذوباناً للهوية الدفاعية النيوزيلندية المستقلة.
ورغم عدم ذكر “الصين” بالاسم صراحة كخصم مباشر، إلا أن لغة الوزراء كانت حادة تجاه سلوك بكين المزعزع للاستقرار وانتهاكات حقوق الإنسان. هذا الموقف دفع السفارة الصينية في ويلينغتون للرد بغضب، محذرة من “مسار غير منتج”، مما يعكس حجم الضغوط التي تمارسها القوى الكبرى على هذا التحالف الناشئ.
قراءة في المسكوت عنه
المثير للاهتمام في بيان هذا العام هو “الغياب”؛ فلأول مرة يغيب الحديث عن نزع السلاح النووي، كما غاب ذكر “أوكوس” (AUKUS) و”الرباعية” (Quad)، بينما ظل تحالف “العيون الخمس” حاضراً بقوة. قد لا يكون هذا مجرد اختصار للبيان، بل يعكس تفكيراً عميقاً في كيفية إدارة بيئة استراتيجية مضطربة دون استفزازات غير ضرورية، مع التركيز على “المسؤولية الجماعية” بعيداً عن تقلبات السياسة الأمريكية.
نحو الجنوب الأقصى: القارة القطبية وما بعدها
اتجهت الأنظار أيضاً نحو القارة القطبية الجنوبية كجزء من القواعد الدولية التي يجب حمايتها، مع إطلاق حوار استراتيجي سنوي جديد. ومع ذلك، لا تزال هناك ثغرات؛ فالمحيط الجنوبي يحتاج إلى جهد أكبر مما أُعلن عنه لضمان أمنه الكامل.
الخلاصة: سادت أجواء من الود والمزاح في المؤتمر الصحفي، لتذكر العالم بأن الأستراليين والنيوزيلنديين ليسوا مجرد حلفاء، بل أصدقاء حقيقيون. هذه الثقة هي “الزيت” الذي يسهل حركة التروس السياسية حين تختلف الرؤى. لقد وصلت الرسالة لمن يراقب: عبر “بحر تاسمان”، الجيران الطيبون هم حراس يحمي بعضهم بعضاً، متحدون في الهدف، وإن احتفظ كل منهم بخصوصيته.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

