الكاتب منير الحردول – المملكة المغربية

لا يمكن للعقل إلا أن يستفز نفسه، ويستنفر خلاياه، أمام الهول الكبير، الذي اصاب العالم في بداية ظهور الوباء، الذي أرهق ولا زال يرهق أسس وأمجاد الوهم المصنوع، زيف بنيت عليه الحضارة البشرية والعالم الرأسمالي، وأفرغ المفاهيم المرتبطة بالعولمة من أسسها، مفاهيم مبنية على الهيمنة الاقتصادية، والسياسية الثقافية من جوهرها، المشكوك أصلا في ماهيتها الأخلاقية والعدلية، بين مختلف الأقطار والقارات وشعوبها المتنوعة في كل شي.

هذا التنوع، قد يصل لدرجة التناقض، اللامحدود الذي يولد الحروب، والنزاعات الفتاكة، المدمرة للإنسان أولا، والتراث البيئي المشترك، والذي تمثله الأرض ثانيا.

فالفيروس اللامرئي المزعزع للعالم، أثبت عدم مصداقية البشر، في التفوق والادعاء، وأكد على بهتان نظرية التحكم في المخوقات الوجودية من خلال العلم والعلوم.

كما برهن على محدودية التصورات التي رسمتها الفلسفة العقلية، للمنظرين من مختلف المشارب الفلسفية، والسياسية والعلمية المتشعبة.

فيروس كورنا بزحفه على البشر، وتدميره للهياكل المرجعية، والبنيتين الاقتصادية والسياسية، التي بني عليها العالم منذ زمن بعيد، وقهره لأقوى الاقتصادات العالمية، التي توصف بالجبارة، وعجز الدول العظمى على احتوائه لحد الآن. ما هم إلا فيروس مجهري لا تاريخ له!

فيروس، خرب كل شيء، وأهان ما تم بناؤه بجهد ليس بيسير، فأصبح المال والرأسمال سرابا، أمام قوة هذا القاتل(كورونا)، وقدرته الجينية على التغيير والتغير السريع بهدف الفتك بالبشر دون تمييز، فدهش الجميع، وانهارت الأسواق، وأغلقت الحدود، ودمرت السياحة ، وتبعثرت الأوراق والشعارات الرنانة، كالمساواة بين الناس. فسارعت كل الدول إلى إغلاق مجالاتها الجوية، والبحرية البرية، خشية من عدو مشترك، قاتل لا يقهر اسمه كورونا اللغز الهائج! الذي سيسجل ضمن أحداث قد تقلب جميع المفاهيم، والنظريات التاريخة من جديد، في حالة فتك بالملايين، وعجز العلم عن ايجاد مصل أو دواء لهذا الداء، لوضع حد لقوة جبروته المرعبة، التي أرهقت وأدخلت الرعب في قلوب البشرية، الموجودة على كوكب الأرض!

مما زاد من تأزيم أمور هذا العالم، الذي ربما سيدخل في مرحلة تاريخية جديدة، تحتم عليه النظر بجدية إلى جميع الأخطار المستجدة والمفاجئة، اللامرئية، والمجهرية المجهولة المصدر والغايات! القادرة على الفتك بالإنسان في أية لحظة، وبدون سابق اشعار أو تنبيه!

فنمط الاستهلاك، الذي فضحه هذا الفيروس بالرغب من تراجع حدة قتله للبشر!!، حيث التسابق على الأسواق، بغية اقتناع أي شيء لتلبية الحاجيات العضوية الخاصة، ونفور البعض من البعض، وعدم الثقة في الجميع، والخوف الزائد اللامحدود من الخصاص في الضروريات، أو الخوف من التعرض للاصابة الخطرة، وإغلاق الأبواب على الجميع، باسم الاحترازية. أكد على أن التاريخ الممجد لقيم الديمقراطية، وحقوق الإنسان، والكرامة، ستعود للوراء، لأنها مرتبطة أساسا بوضع مرحلي ظرفي ليس إلا، أي مرتبطة بالرفاهية والعيش الأناني لا غير!

التاريخ البشري، والذي لا يحركه البشر، هذا الجنس الشبيه بالعاقل! ما هو في البداية والنهاية، إلا مجرد محرك تافه للكتابات التأريخية لا غير! أما التاريخ الحقيقي، فتصنعه الفيروسات، والكوارث الطبيعية الكبرى كالزلازل والبراكين العظيمة، ومختلف الظواهر الكونية، التي تحدد معالم الأرض، في كل مكان وزمان.

جنس الإنسان المسكين! لا يصنع أبدا التاريخ! وإنما يصنعه هو أي التاريخ هو الذي يصنع الإنسان، لأن عقل البشر بصفة عامة، محدود في جوهره، بالأعضاء العضوية أكثر من الأحاسيس الوجدانية، وغرائزه تحكمها السلوكات البهيمية الطبيعية، التي ستتخلص منها قوة الطبيعة، بموت اسمه الحتمية المطلقة، والتي تعد تاريخا قائما، يحدد ماهية الجميع، بما فيها البشر، الذي قد يتعرض للانقراض يوما ما! كما انقرضت أجناس عاقلة أخرى، عمرت الأرض من قبل البشرية، وعجز التاريخ البشري عن فك لغز وجودها، و ظروف اختفائها!

إذن، التاريخ سينتهي قريبا مع زحف الخوف الذي تحمله راية غير مرئية صامتة، هذا الصمت الموزون و الهلع المعلوم، تتزعمه كائنات فيروسية، مجهرية، ككورونا وتحوراتها وغيرها من الفيروسات التي تنتظر دورها التدميري،، ليبدأ التأريخ لتاريخ تحدده عظمة الطبيعة والقوى الكونية الأخرى، غير المعلومة للإنسان، هذا الإنسان يدعي ويتوهم أنه يملك جل أدوات العلم، فقوى الطبيعة والكون، لا يعلم بها إلا خالقها.
سبحان الله على بشر لا يفقهون أن الفيروسات، قد تجعلهم خارج التاريخ، وبدون تأريخ، لنهاية تخرج من صلب من لا تاريخ له!