“الخيار الثالث”..ترف المثقفين
د.خالد جمال
في كل مرة تلوح في الأفق فرصة حقيقية للبنان لاستعادة دولته، وترسيم حدوده، والعيش بسلام تحت مظلة ضمانات دولية قوية، نجد أن المثقفين والسياسيين “العقلانيين” يتسابقون لتقديم حلول تبدو واقعية، لكنها في جوهرها تبرير لاستمرار شذوذ المشهد اللبناني عن أي منطق دولة.
خلال الأسبوعين الماضيين، برز موقف لبعض السياسيين البارزين مثل وليد جنبلاط، غسان سلامة، وطارق متري. وذهب البعض، وعلى رأسهم الكاتب زياد ماجد، إلى اعتبار هذه الدعوات “خياراً ثالثاً” في مسألة المفاوضات مع إسرائيل.
يستند هذا الخيار إلى وحشية الحرب الإسرائيلية على غزة وحزب الله، ويرى أنه لا جدوى من السلام مع عدو “يستبيح المدن”. ويقترح أصحاب هذا الموقف العودة إلى اتفاق الهدنة لعام 1948، عبر مفاوضات غير مباشرة، ورفض الشروط الأمنية الإسرائيلية، مع الإقرار بأن نزع سلاح حزب الله عسكرياً “غير قابل للتحقق”، والدعوة إلى حوار داخلي معه حول السلاح. كما يرفضون أي لقاء مباشر بين الرئيس اللبناني ونتنياهو، ويدعون إلى طلب تعويضات من إسرائيل.
لكن دعونا نكون صريحين: أي رأي ثالث في صراع ثنائي هو بالضرورة لصالح أحد الطرفين، حتى لو تزيّ بثوب الوسطية. وفي الحالة اللبنانية، هذا الخيار الثالث يميل بوضوح إلى رأي حزب الله، وإن حاول تمويه ذلك.
صحيح أنه يرفض السلاح، لكنه يطالب بحصره عبر “الحوار” مع الحزب. صحيح أنه يطالب بانسحاب إسرائيلي، لكنه يريد مفاوضات غير مباشرة تمنح الحزب حق النقض (الفيتو) على أي قرار. وصحيح أنه يدعو إلى مركزية الدولة، لكن “بعد التشاور” مع من يملك السلاح الفعلي على الأرض.
المفارقة أن هؤلاء المثقفين أنفسهم يندفعون، كلما سنحت فرصة حقيقية لإنقاذ لبنان، إلى تقديم أعذار لهذا الفريق “التابع لدولة أجنبية”، وتغليف سياساته بغلاف وطني. حجتهم الدائمة هي “عدوانية العدو الإسرائيلي”، وكأننا ننتظر من إسرائيل أن تكون ملاك سلام لكي نتمسك بدولتنا.
إن الخوف من الحرب الأهلية، وصعوبة حصر السلاح، لا يبرران الاستمرار في سياسة تضعف الدولة وتُبقيها رهينة لمنطق القوى المسلحة الخارج عن القانون.
في هذا السياق، تأتي مقارنة الكاتب السعودي عبد الرحمن الراشد واقعية وصادمة: “إيران الكبرى” ليست وهماً، بل مشروع يجري تنفيذه على الأرض في عدة دول عربية، بينما “إسرائيل الكبرى” مجرد وهم في أذهان أصحاب النظريات المتطرفة، لا تملك إسرائيل القدرة على تحقيقه.
الخلاصة التي يجب أن نفهمها جميعاً: الخطر الإيراني على المنطقة العربية، عبر أذرعه المسلحة وفي مقدمتها حزب الله، هو اليوم أخطر بعشر مرات من الخطر الإسرائيلي. فحتى العدوان الإسرائيلي البشع يجد مبرره في وجود هذه الميليشيات التي تمنح إسرائيل “الأعذار” لتصفية القضية الفلسطينية وتدمير لبنان.
حان الوقت لأن نتوقف عن تبرير منطق حزب الله، ونعترف أن الخيار الثالث هو مجرد إعادة إنتاج للخيار الأول بغلاف أكثر أناقة. يجب أن نبدأ بدعم الدولة اللبنانية في استعادة مسارها الطبيعي، مهما بدت خطواتها غير واقعية، لأن البديل هو الاستمرار في هذه الوهمية التي أغرقت لبنان في أزمات لا تنتهي.
الدولة وحدها القادرة على حصر السلاح وحماية مواطنيها، وليس “الحوار” مع من يرى نفسه فوق القانون.
الخيار الثالث في لبنان ليس خياراً، بل هو ترف فكري يمنح الشرعية لاستمرار الاحتلال الإيراني للقرار اللبناني، تحت ذريعة مواجهة عدو لا يمكن هزيمته إلا بدولة قوية، وليس بميليشيا أقوى.

