متى نتعلّم كيف نخسر؟
جوزاف وهبه
في خلطة عجائبيّة ما بين فانتازيا السورياليّة وخرافة الميتولوجيا، تتدفّق انتصارات حزب الله / المقاومة الإسلاميّة (ومن ورائهم نظام الملالي في طهران، مع ما تبقّى لهم من حشد شعبيّ في العراق، وحوثيّين في اليمن) على شاكلة خطوط صفراء تمتدّ من حدود جديدة رسمها الجيش الإسرائيلي فوق ركام 54 قرية وبلدة جنوبيّة تصل إلى بنت جبيل والخيام، إلى رايات صفراء تلفّ نعوش حوالي 2500 سعيد وسعيدة، إلى وجوه متعبة حزينة لا تعرف وجهة نهائيّة لترحالها من وإلى الديار في 24 ساعة:تركوا أماكن نزوحهم على وقع رصاص الإنتصار الجديد (هدنة العشرة أيّام)، ليعودوا أدراجهم تحت وطأة الخراب المعمّم الذي لا يُصدَّق، وتحت تهديدات محمود قمّاطي ووفيق صفا وحسن فضل الله ونعيم قاسم، بأنّ جوزاف عون هو الوجه الآخر لأنور السادات، وأنّ نوّاف سلام صهيوني صهيوني..وأنّ العدوّ مهما تقدّم واحتلّ ودمّر وفقأ من عيون الأطفال، يبقى “أوهن من خيوط العنكبوت”:أليس كذلك، يا حضرة الأمين العام الراحل حسن نصرالله!!
متى أو كيف نتعلّم أن نخسر؟ سؤال بسيط، وسط المذبحة التي نعيش، يكاد يختصر “العقدة” التي تنقلنا من حرب إلى حرب، وتنقل الطائفة الشيعيّة من تهجير إلى تهجير، وتنقل البلد برمّته من واقع سيّء إلى واقع أسوأ، كأنّه قدر محتوم علينا أن نبقى معلّقين أو عالقين ما بين الطريق إلى القدس، أو الطريق إلى الشام، والطريق إلى قم وطهران وأصفهان!
سؤال بسيط:إذا كان كلّ ما جرى ويجري معنا، وأمام أعيننا، من تدمير وتهجير للضاحية الجنوبيّة (لم يبقَ قرض حسن ولا محطّة أمانة ولا حسينيّة..ولا بشر)، ومن تفوّق تكنولوجي – عسكري – إستخباراتي يجمع 150 أو 160 هدفاً في دقيقة واحدة، بعد أنّ فجّر آلاف البايجر بآلاف الشبّان في عمليّة أقرب إلى الخيال، ومن احتلال لمزيد من الأراضي اللبنانيّة باتّجاه نهر الليطاني، ومن سقوط آلاف الوحدات السكنيّة فوق رؤوس أصحابها، ومن مليون نازح ونازحة ينتظرون إعانات دولتهم (المارقة..على حدّ توصيف النائب السابق الأشهب نوّاف الموسوي)، ومساعدات من خليج نقصفه ومن غرب هو شريك موضوعي في قوّة وبطش إسرائيل..إذا كان كلّ هذا “الشريط الأسود” من نقاط الضعف والعجز والإبحار عكس الريح، لا يقنعنا بأنّ ما يحدث ليس لمصلحتنا، وليس في مصلحة الطائفة ولا الوطن، وحتّى ليس في مصلحة إيران (التي نعبد..)، فمتى يمكن لنا أن نستفيق من هذه الغيبوبة الطويلة القاتلة!؟
ثمّة مفارقات فاقعة تكاد تجمع بين الملهاة والمأساة تحت خطاب واحد:
ندخل في حرب إسناد مع غزّة.تسقط غزّة ببشرها وحجرها بالكامل، ولا يبقى من “حماسها” إلّا مجموعة من البنادق والرؤوس الحامية المختبئة، والتي تنتظر مصيرها تحت رحمة ما يُسمّى “خطّة ترامب”:فمن أيّ خرم، يمكن الدخول في ما سُمّي ” النصر الكبير”، وهو ما احتفلنا به، على أرض الواقع..فوق “جثّة غزّة”، لا أكثر ولا أقل!
ثمّ ندخل في حرب اختلط فيها الإسناد بالثأر:إسناد طهران..والثأر للمرشد الأعلى علي الخامنئي، قدّس الله سرّه.فماذا كانت النتيجة العظيمة التي تستحقّ الإحتفاء والإحتفال وملء سموات الضاحية بالرصاص الخطّاط والقاذفات الصاروخيّة؟ من جهة، إيران تلملم جراحها البليغة في القدرة العسكريّة وفي الإقتصاد المنهار، بعد أن أطبق عليها “الشيطان الأكبر” بحصاره لحصار مضيق هرمز..ومن جهة ثانية، هي تعجز حتّى عن تنظيم جنازة مرشدها القتيل، كما هي عاجزة عن كشف مكان مرشدها الجريح..بالله عليكم، قولوا لنا من أين جئتم بهذا النصر الجديد، وسط كلّ هذه الجنازات، وكلّ هذا العويل الصامت..والبكاء العميق على الأب والإبن والرزق والدار، وعلى جنى العمر!؟
بعد “10 أيّام هدنة” (شكراً إيران..أو شكراً ترامب، لا يهمّ) قد يكون الصفّ الثالث أو الرابع من قيادات الحزب في طور الإستعداد لرسم معالم “نصر إلهيّ إضافي” مكمّل للنصر الذي نعيش فرحته في مدارس وخيم النزوح، دون أن يرفّ لهم جفن، وطبعاً دون أن يسمحوا للبيئة المهانة بحقّ الإعتراض..وبالتأكيد التأكيد دون أن يخطر في بال أحدهم (أكان الشيخ نعيم المختبئ..أو الحاج محمد رعد المسموح له بالظهور) أن يتوقّف لحظة علّه يجيب على السؤال المنقذ:متى..أو كيف نتعلّم أن نخسر؟
جرّبوا الخسارة، ولو لمرّة واحدة، علّكم تنجون بطائفتكم..وينجو معكم لبنان!!

