أكلت يوم أكل الثور!
د.خالد جمال
هناك لحظات في التاريخ تأسيسية، تغير مجراه لمئة عام أو أكثر. لحظات أو حوادث قد تنقل الحالة إلى وضع أفضل، أو تهبط بها إلى درك ليس له قاع. وهذا ما حدث مع العراق إثر احتلاله من قبل القوات الأمريكية، كردّ على أحداث الحادي عشر من سبتمبر. لقد اختار الأميركيون “واسطة العقد”، كما فعل حمام الموت مع عقد ابن الرومي، فتناثرت حبات العقد وتَبَعثَرَت وتَشَرذَمَت، وفقد العقد الخيط الذي كان يربط اوله بآخره.
لا أعلم إن كان الثور الذي اُكِلَ أبيضَ كما في المثل الشائع، أم كان أسودَ، أم كان مُبرقعاً. ولكن الأكيد أنه حين أُكلَ، فقدنا العمق الجغرافي والبُعد السياسي، والأهم: الضمان الأمني. فانكشفت المنطقة أمام كل المخاطر. وكنا نحسب إسرائيل أسوأها، فإذا بالإيرانيين يجعلون الجميع في خجل من سوء السمعة، لما فعلوه وارتكبوه على جميع الصعد: الأمني، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي في مجتمعاتنا العربية. لقد مزّقوا النسيج الاجتماعي، وجعلونا فِرَقاً وطوائف. وحيث فشلوا في ذلك، تَأَمَرُوا واعتدوا وهاجوا، وهدّدوا الآمنين والمُزْدَهِرين والساعين إلى كل سلام ومودّة في العلاقات بين الدول.
يُقال إنه في الاجتماع الأول للإدارة الأمريكية في عهد جورج بوش الابن بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، عندما طُرح السؤال: “ماذا نفعل الآن؟ وممن ننتقم؟”، كان جواب بول وولفويتز بدون تردد: “العراق”. ولكن بعد التداول، قرروا البدء بأفغانستان، دون أن ينسوا العراق. لقد وُضِعَ على الجدول لضربة ثانية، وقد فعلوها دون أي تردد، مع كل الكذب والخداع والغدر.العراق من كان يربط بلاد الشام بالحجاز، ويَزود عن الحدود، ويحمي الظهر.
لماذا هذا الكلام الآن؟ لأن الأمن القومي العربي معرّض لكل انتهاك ومخاطر الاعتداء والاحتلال والزحف. ولا نملك القوة المناسبة أو الملائمة للذود عن حياضنا أو لحماية مرابعنا. لقد اكِلَ الثور، ونحتاج إلى زمن — مع أنه لا يُسعفنا ولا يرحمنا — لنُربّي غيره ونجعله جاهزاً للمواجهة.

