بقلم بيار سمعان

اتهم زعيم المردة سليمان فرنجية رئيس التيار العوني جبران باسيل انه تحوّل «الى فتنة متجولة يُحاول بناء وجوده على الخلافات في جميع المناطق وانه يغذي مشروعه بالحقد والانقسامات».

زيارة جبران باسيل الأخيرة الى طرابلس وصفها البعض «بالغارة العسكرية الخاطفة» بعد ان رافق وفد رئيس التيار الوطني الحر حوالي 3 آلاف من عناصر قوى الأمن و الجيش. لكن سكان طرابلس تجاهلوا هذه الزيارة ولم يحضر اللقاء سوى ما يزيد على المئة شخص، جاؤوا من مختلف المناطق المجاورة درءاً للمقاطعة الطرابلسية…

كما وصف آخرون ما جري في طرابلس انه محاولة تسجيل انتصار سياسي على متن دبابات الجيش. لكن في محصلة المشهد الطرابلسي، لم يستقبل الناس جبران باسيل. كما تجاهله الحلفاء والاخصام على حدّ السواء، وقاطعه رجال السياسة في العاصمة الثانية.

فما هي خلفيات اللغط الذي يرافق زيارات باسيل المتنقلة،  والتي بلغت ذروتها سقوط قتلى كما جرى في منطقة الشوف؟ ولا يعلم احد ما يخبئه المستقبل، اذا استمر   باسيل بتحدياته المتنقلة.

فلنعد الى الجذور لنفهم ابعاد ما يجري مع مغامرات وزير خارجيتنا، جبران باسيل، في الداخل اللبناني.

– الامارات اللبنانية

من نتائج الحرب اللبنانية المؤسفة والتي قد يتجاهلها الناس لكثرة الاحداث والتطورات في لبنان والمنطقة، هو تكريس واقع اجتماعي، سياسي، طائفي، ادى الى خلق محميات وامارات داخل الوطن.

فلبنان الوطن هو اليوم مجموعة من الكيانات شبه المستقلة والامارات التي يتحكم بها عدد من العائلات والزعامات السياسية.

فهناك امارة شيعية في الجنوب وبعلبك يتزاحم على قيادتها حزب الله وامل.

وامارة درزية يتزعمها آل جنبلاط ويزاحمه آل ارسلان على قيادتها.

وامارة سنية في صيدا وطرابلس وبيروت وعكار يتناوب على زعامتها عدد من القيادات السنية، مع اعتبارات خاصة لمدينة بيروت كونها العاصمة المشتركة بين كل الامارات، ولو بتفاوت.

والى جانب هذه الامارات، يوجد اكثر من امارة مسيحية لآل الجميل وفرنجية وجعجع الذي لا ينتمي الى عائلة تقليدية سياسية، لكنه تمكن من خلال طروحات القوات السياسية ان يفرض نفسه رقماً صعباً يصعب ان يتجاهله الآخرون، ليس فقط بسبب تضحيات القوات التاريخية، بل نتيجة للرؤية السياسية الشاملة التي تسعى الى اعادة بناء الوطن. كما تمكن جعجع من تحويل منطقة بشري/الجبة الى قاعدة شعبية داعمة له.

التيار الوطني الحر، منذ ظهور الجنرال عون سعى الى اعتبار الجيش القوة الداعمة لطموحاته السياسية، بعد ان وجد صعوبة في ايجاد امارة جغرافية صافية تدعم برنامجه السياسي وطموحاته المستقبلية. وهو، مع جبران باسيل يعتبر تياره عابراً للأحزاب والطوائف. وتمكّن عون من التعويض عن البعد الجغرافي لإمارته بالتفاهم مع حزب الله لتثبيت زعامته على الساحة المسيحية التقليدية.

لذا يسعى اليوم رئيس حزب التيار الوطني الحر جبران باسيل الى فرض نفسه كزعيم خارق لهذه الامارات، مدعياً تمثيل كل الطوائف والتيارات السياسية، تحت شعار دعم العهد وفرض هيبة الدولة واعادة تفعيل المؤسسات. ويرى في قوة واتساع تمثيل تياره للمكونات اللبنانية ووجود الرئيس عون في سدة الرئاسة، فرصة سانحة له لتحقيق مثل هذه الاختراقات الشعبوية، واستعادة «حقوق المسيحيين، والوصول الى سدة الرئاسة، لذا تجرأ واعلن متوجهاً الى اللبنانيين عامة والى المسيحيين خاصة قائلاً: «بدي نسيكم كميل شمعون وبشير الجميل…!!»

فهل فعلاً جبران باسيل هو قادر على تحقيق ذلك؟ وهل تدخل زيارات باسيل الى مختلف المناطق ضمن هذا التصور ، ام ان لجبران آجندا اخرى ، لا يوافق عليها معظم زعماء الامارات اللبنانية. ولماذا جاءت ردود الفعل سلبية بأغلبيتها حيال هذه الزيارات المتنقلة؟

– العهد وبناء الدولة القوية

وصل العماد ميشال عون الى سدة الرئاسة بدعم من الشيعة (حزب الله) وموافقة امل، ورضى السنة، وتأييد القوات اللبنانية، بعد فراغ في الرئاسة الاولى زاد على سنتين ونصف، كان العماد عون يردّد خلالها: إما انا او لا رئاسة في لبنان … وعمرو ما يكون في وطن…» خلال  هذا الوقت الضائع استفادت الإمارات المختلفة من الفراغ للإمعان في تدعيم نفوذها وفي نهب خيرات البلد عن طريق تقاسم المغانم والحصص فيما بينها.

اي ان الدويلات نمت وقويت على حساب الدولة.

لكن وصول العماد عون الى رئاسة الجمهورية جرى ضمن شروط مسبقة. فهو اصلاً مرتبط بتفاهم مار مخايل مع «حزب الله»  لكنه لم يقدم على إلغائه  بعد وصوله الى موقع المسؤولية.

الرئيس سعد الحريري كان له شروطه مقابل دعم وصول العماد عون الى الحكم. كذلك تفاهمت القوات اللبنانية مع عون والتيار الوطني الحر على الخطوط الكبرى بشأن الحكم والمحاصصة المسيحية (اتفاقية معراب)، كذلك كان لوليد جنبلاط مطالبه، كما كان لبري وآخرين تمنياتهم وتوصياتهم…

يؤخذ على «العهد القوي» انه بالرغم من مرور ثلاثة اعوام عليه لم يتمكن حتى الآن من بناء الدولة الديمقراطية، العادلة والقادرة. فالتفاهمات الجانبية التي تكبله جعلته عاجزاً عن ذلك.

غير ان نشوة النصر ومشاعر الاستعلاء وزيادة المكاسب تحت راية استعادة حقوق المسيحيين، دفعت رئيس التيار الوطني الى تجاهل الاتفاقيات والتفاهمات السابقة. فرمى باتفاقية معراب وراء ظهره، محاولاً تحجيم القوات وسائر الزعامات المسيحية، محتكراً أولوية تمثيلهم سياسياً وادارياً ومعنوياً، والاستفادة بالتالي من المحاصصة لكسب المزيد وتوظيف الاقارب والمقربين.

ولم يتردد جبران باسيل، في اكثر من مناسبة من اللعب على الوتر الطائفي، لشد العصب المسيحي، موجهاً سهامه الى بعض القيادات السياسية التي تحولت بفعل النظام الطائفي تختصر طوائفها واصبحت رمزاً لوجودها الكياني.

باعتقادي  ان بعض مواقف وتعليقات باسيل النارية انتجت مفاعيل عكسية داخل الامارات اللبنانية ورفعت من مستوى اللحمة في مكوناتها، والمزيد من التمسك بقياداتها، رغم ان هذه القيادات هي متهمة بالفساد وبسرقة خيرات الوطن وبإيصال الوضع الاقتصادي الى ما هو عليه الآن.

النقطة الأهم، هو ان العهد عجز عن بناء الدولة لأنه لم يتمكن من معالجة قضية تفشي السلاح بين المواطنين، خاصة سلاح حزب الله الذي تحولت امارته الى دويلة داخل الوطن، مع وجود جيش نظامي يجاوز الـ 30 الف عنصر واسلحة متطورة، ومشاركة قواته القتال في سوريا والعراق واليمن.

هذا الواقع دفع سائر الامارات الى اعادة تسليح ذاتها، ولو بشكل غير علني، خوفاً ان يتحول النزاع السياسي الى صدام عسكري بينها، يوماً من الأيام.

كان بمقدور الرئيس عون العمل على ضم مقاتلي حزب الله الى قيادة الجيش اللبناني، طالما يدعي هذا الحزب انه  يدعم العهد وهو موجود لحماية لبنان، ولاستعادة مزارع شبعا وغيرها من الاراضي المتنازع عليها لبنانياً وسورياً قبل ان تكون النزاعات حولها لبنانية – اسرائيلية.

وباعتقادي ان تردد العهد بالتعامل مع سلاح «حزب الله» بشكل واضح ومسؤول وعلني، اضعف صورته في اذهان المواطنين، ودفع الامارات الاخرى الى الاعتماد اكثر على الحماية الذاتية، بعد ان تحول العهد طرفاً في النزاع الداخلي بفعل الممارسات اليومية.

العامل الآخر الذي اساء الى صورة العهد هو التخلف في معالجة الفساد وعدم ملاحقة المسؤولين عنه، وهم معروفون من عامة الناس. لذا بدأنا نسمح ان الزعيم الفلاني هو خط احمر، والسياسي الذي ينتمي الى هذه الإمارة او تلك هو بدوره خط احمر.

كان الأجدى ان يبدأ العهد بمحاسبة وملاحقة اهل البيت اولاً، وان يرفع الغطاء عنهم ليتمكن من محاسبة الآخرين. لم يفعل ذلك. لذا يصعب عليه مكافحة الفساد لدى الآخرين.

غير ان أهون الشرور يكمن في التفاهم السري بين قادة الفساد ان يعيدوا اقله العشر من ثرواتهم الطائلة، لانقاذ لبنان من محنته، والحؤول دون انهياره، ومواجهة الضغوطات الخارجية التي تسعى الى فرض التوطين مقابل الديون، وتغيير وجه لبنان الديمغرافي، وخسارة اللبنانيين لوطنهم.

– جبران باسيل وريث العهد.

يتمنى الرئيس عون ان يخلفه «الصهر المدلّل» جبران باسيل. كما يطمح الأخير، مستفيداً من وجود عمه في سدة الرئاسة ومن دعم «حزب الله» له وتأييد الحكم السوري، ان يكون الوريث الوحيد والخلف للجنرال عون.

جبران باسيل لا ينتمي الى عائلة سياسية عريقة، ولم يلعب دوراً خلال الحرب وليس لديه تاريخ نضالي بارز يستثمره سياسياً، كما فعل آخرون قبله. لكن باسيل بالمقابل ورث حزباً قوياً يسعى من خلاله العبور الى الرئاسةالاولى.

غير ان رئيس الجمهورية العتيد، عليه ان يحظى بموافقة الدول الاقليمية والدول الكبرى، وبرضى وتأييد الامارات داخل لبنان. لذا اسند الى باسيل حقيبة وزارة الشؤون الخارجية على أمل ان يستفيد منها ليبني علاقات دولية واقليمية جيدة، ويتعرف الى المسؤولين في دول القرار، وان ينظم الاغتراب اللبناني الذي يسمح له القانون بالاقتراع خلال الانتخابات العامة.

يعتقد جبران باسيل أنه نجح في الشق الخارجي، فاندار الى الامارات الداخلية، وواجهها بطروحات وشعارات كبرى مثل دعم العهد القوي، بسط سلطة الدولة، التخلص من كبار المفسدين، ولو بالتهجّم عليهم وتوجيه الانتقادات الجوفاء اليهم، واللعب على الوتر الطائفي.

لذا عمد، بتوجيه ودعم من «حزب الله» الى خلق ودعم زعامات جديدة داخل هذه الامارات: مقابل جنبلاط أوجد ارسلان ووهاب، ومقابل الحريري، جرى تدعيم سنة 8 آذار.كما استفاد من ارتباطات الحريري والتعهدات الدولية له بمساعدة لبنان، ومحاولة الأخير النهوض من نكسته الاقتصادية، ليملي شروطه عليه، بعد ان سعى جاهداً للحصول على النصف المعطل داخل الحكومة.

كذلك حاول استبعاد الكتائب وتطويق القوات اللبنانية، وتدعيم زعامات زغرتاوية على حساب الوحدة الداخلية التي يتحلى بها قادة المنطقة. وسعى بشتى الوسائل الى ضرب الزعامات التقليدية تحت ستار دعم العهد وبسط سلطة الدولة.

– الاصلاح والامارات

يقول المثل الفرنسي: المحبة تبدأ بالذات. كذلك الاصلاح والالتزام بالقانون، وبالنظافة العامة، وبصحة المواطنين، ومكافحة التلوّث البيئي، وبوقف الفساد ومكافحته.

باعتقادي ان العهد، حتى كتابة هذه الاسطر لم يتمكن ، حتى من تنظيف شوارع بيروت والمدن اللبنانية، كما انه عجز عن مكافحة الاقطاعية والعائلية والمحسوبية، لا بل عمد الى تكريسها دون مراعاة لمشاعر المواطنين، بعد ان حوّل العهد الى «حكم العائلة»، رغم كل الانتقادات السابقة لهذه التركيبة.

لهذه الاسباب مجتمعة، ينظر الى جولات جبران باسيل في عين الرمانة وبعلبك وبشري، وزغرتا، والشوف، وطرابلس وعكار على انها مساس بالامارات القائمة ومحاولة خرقها بغية تطويقها.

بالطبع، ليس محظوراً على اي لبناني ان يزور المنطقة التي يريد. لكن على المسؤول ان يسأل نفسه اولاً عن خطابه التحريضي، ولغته «الطائفية «لاستعادة حقوق المسيحيين» التي يحتكرها لنفسه. عليه ان يتساءل عن التهديدات المباشرة او غير  المباشرة بواسطة حلفاء، يوجهها  لقادة، صبغوا بطابع الألوهية ، بنظر اتباعهم.

أيعقل ان يتظاهر قدامى العسكريين في شوارع بيروت لحماية حقوقهم، فيما يقوم آلاف الجنود بمرافقة مواكب باسيل وتنقلاته الاستفزازية؟ اين المنطق والشفافية والمصداقية في التعامل مع المواطنين بعد ان تحولت المؤسسات وسيلة لحماية السياسيين.

لهذه الاسباب، يرى كثيرون ان تنقلات باسيل هي مجرد «فتنة متنقلة». ويوماً بعد يوم يفقد باسيل حظوظه في الوصول الى قصر بعبدا.

ان معالجة الامارات داخل الوطن تكمن اولاً بأول في بسط مفهوم الدولة العادلة التي يرعى مصالح مواطنيها وتضمن حقوقهم. الاستنسابية لا تبني اوطاناً، والفساد لا يصلح فساد الآخرين ، والمحاسبة يجب ان تبدأ اولاً بالذات.

لقد قال الشعب اللبناني كلمته بالعهد ورجالات السياسة، والانتخابات القادمة قد تقلب كل المعادلات والاحجام، حتى مع اعتماد قانون انتخابي مفصل على قياسهم.

ان اي حكم، يتخلى عن رعاية مصالح المواطنين وحماية الدستور بشموليته، يتحول الى فريق آخر، الى امارة جديدة كسائر الامارات. وهنا تكمن الخطورة على الوطن، في عالم مضطرب ومنطقة مقبلة على تغييرات جذرية.

pierre@eltelegraph.com