أعلن الاتحاد الأوروبي والصين عزمهما إقامة نظام مدفوعات عالمي خاص للسماح للشركات العالمية بمواصلة التجارة مع إيران خلال شهر اكتوبر 2018، في اعقاب فرض الولايات المتحدة عقوبات أقتصادية على ايران وانسحابها من الاتفاق النووي الايراني خمسة زائد واحد المبرم عام 2015. إلا أن خبراء الاقتصاد والمال يجمعون بإن إنشاء نظام الدفع الجديد هذا وتقديمه للشركات لاستخدامه يعتبر أمرا صعباً ومعقداً، وأن الوقت ليس في صالح أوروبا، وانها غير قادرة على تخطي نظام المدفوعات العالمي «Swift «. وكانت الشركات الأوروبية العاملة في إيران قررت في الأشهر الماضية تعليق أو إلغاء صفقات ومشاريع بعد إعادة فرض الولايات المتحدة عقوبات على إيران.
المانيا تحت السيطرة الاميركية

الحراك الذي تشهده المانيا سياسيا واقتصاديا على المسرح الاوروبي والدولي، تقول ان السيطرة الاميركية على برلين وصلت حد العقدة التي  يعاني منها الالمان، واصبح الشارع الالماني يضغط على الطبقة السياسية لاتخاذ مواقف سياسية للرد على تعليقات وتصريحات ترامب الاستفزازية.
فلا يوجد خيار امام برلين اليوم غير التوجه الى الصين او موسكو بعد ان نفظت يدها من ادارة ترامب وأعطتها ظهرها.  وتجري المانيا اتصالات مع الصين، حول مشاركة محتملة لشركات صينية في توسيع شبكات الجيل الخامس، وهذا ما اثار غضب الولايات المتحدة، على لسان سفيرها في برلين ريتشارد غرينيل ، مهددا بإيقاف التعاون الإستخباري، لكن ردود حكومية أوروبية، جاء واضحا يوم 20 مارس 2019، بقوله:» «ألمانيا لن تخضع للابتزاز مطلقاً أيا كان الأمر أو الجهة التي تحاول ممارسة هذا الابتزاز.»
الجيل الخامس من شبكة الاتصالات
وفي هذا السياق ، فقد بدأ المزاد على توزيع ترددات الاتصالات النقالة لشبكة الجيل الخامس في ألمانيا بدأ يوم 18 مارس 2019. المعلومات وفق وكالة ( د ب أ) تفيد، أنه لا يوجد على مستوى العالم سوى خمس شركات تستطيع بناء شبكات الجيل الخامس، اثنتان منها من الصين واثنتان من أوروبا وواحدة من كوريا الجنوبية. وكانت المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل طالبت الصين الأسبوع الماضي بضمانات لاستخدام تقنيات هواوي في توسيع شبكات الجيل الخامس في ألمانيا.
الرئيس الأسبق لوكالة الاستخبارات الخارجية الألمانية شيندلر حذر من أن الدول التي توفر حاليا شبكات الجيل الخامس ستضطر لاستخدام أجيال الجوال الأحدث بعد ذلك، وقال «هذا يعني أننا سننزلق إلى تبعية استراتيجية للصين. يتعين أخذ كل هذه الأمور في الاعتبار عند اتخاذ القرار». وبينما يبدو أن الصين قد تحاول توجيه رسالة تضامن كامل مع ألمانيا فى مواجهة واشنطن فإن مسؤولين ألمان يرون أن على ميركل أن تتجنب الظهور بمظهر الاصطفاف العلنى مع الصين فى مواجهة حليفتها للمدى الطويل.
المانيا والصين في مواجهة ترامب
وجدت ألمانيا والصين، وكلاهما بلد مصدر ولديه فائض تجارى كبير مع الولايات المتحدة، نفسيهما فى مرمى نيران ترامب ويكافح البلدان للحفاظ على النظام متعدد الأطراف المستند إلى قواعد والذي يقوم عليه ازدهارهما. وتبين إن سياسة «أميركا أولا» التجارية التي يطبقها ترامب وازدراء إدارته لمنظمة التجارة العالمية وانسحابه من الاتفاق النووى الإيراني قربت مواقف الصين وألمانيا على نحو أوثق.
ودعا رئيس مجلس الدولة الصيني، «تشيانغ لي» إلى تعزيز التعاون الصيني- الألماني في الرقمنة والابتكار، خلال زيارة ميركل الى بكين في 24مايو 2018مقترحا توطيد التعاون في الصناعات الناشئة مثل الذكاء الاصطناعي ومركبات الطاقة الجديدة وشبكة إنترنت للمركبات ومركبات ذاتية القيادة، من أجل تعزيز محرك جديد للتعاون الثنائي.
إن الفجوة ما بين أدارة ترامب ودول أوروبا، بدأت تتكشف أكثر، من خلال سياسات ومواقف ترامب تجاه المانيا ودول أوروبا، ويبدو ان مهمة السفير الاميركي في برلين، ستكون صعبة للغاية ومثيرة الى الاشمئزاز عند الحكومة الالمانية. ولم يعد سرا، ان المانيا بدئت تنظر الى ترامب ب «الخصم»، وهذا مادفع المستشارة الالمانية وبشكل مبكر الى التوجه الى الصين، بديلا عن الولايات المتحدة، وهذا مايثير غضب ترامب.
لقد أدركت الحكومة الالمانية وحتى الشارع الالماني، ان دور الولايات المتحدة الداعم الى المانيا ودول أوروبا قد انتهى. وما موجود من تعاون امني بين البلدين يجب ان يقوم على اساس «العدالة» وليس على اساس «الوصاية». نظرة الالمان الى الولايات المتحدة هي الاخرى، تشهد انخفاض بشعبيتها الى حد تصاعد المطالب، بانها مهام القوات الاميركية في قاعدة رامشتاين» وسط المانيا، هذه القاعدة اصبحت مركز للقيادة الاميركية ، لادارة عمليات نقل السلاح وتنفيذ عمليات درون وقتل، في مناطق النزاع خارج القانون.
ما يزعج الالمان، هو «اختراق» الولايات المتحدة الى امن المانيا القومي، فما كشفه العميل الاميركي في وكالة الامن القومي «ناسا» من معلومات حول تنصت االاميركان حتى على هواتف واتصالات المستشارة الاميركية، اثار الكثير من السخرية، ودفع المانيا ان تعيد النظر بإستخدام المحركات الاميركية للانترنيت. يذكر ان دول أوروبا في الكامل لا تملك محركات الانترنيت وفي الغالب هي اميركية، وهذا ما دفع الالمان الى اعادة النظرباستخدامه الى تلك المحركات.
الزيارات المتبادلة ما بين المانيا والصين خلال الاعوام الاخيرة، تكشف توجه الماني الى ايجاد بديلا للولايات المتحدة، او على الاقل، تخفيض درجة اعتماد المانيا على واشنطن، خاصة في قضايا الامن القومي. المانيا في ذات الوقت ، تحرص على علاقتها الجيدة مع موسكو، رغم مطالبها بفرض العقوبات الاقتصادية على موسكو، يذكر ان اصوات من الحزب الاشتراكي في المانيا طالبت مرارا باعادة النظر في العقوبات على موسكو، وليس مستبعدا ان تتصاعد الاصوات في اعقاب «التهديدات» الاميركية الى امن واقتصاد المانيا.
الخلاصة
العلاقات الاميركية الالمانية سوف تشهد فتورا كبيرا في عهد ترامب، وتوجه برلين الى الصين وربما موسكو اكثر من واشنطن، السياسة الخارجية الالمانية مازالة» محافظة» وتتسم بالبطيء في اتخاذ خطوات في المسرح الدولي خاصة في الشرق الاوسط وافريقيا، رغم ماتبذله من جهود في الوقت الحاضر، بعد الانتقادات الموجهة لها، لان تأخذ دورا سياسيا يوازي وزنها كقوة اقتصادية دولية.