دينا سليم- برزين
الحدث في النكبة، أثناء سقوط مدينة اللد.
نبتَت أسئلة كثيرة لا أجوبة لها، وازدادت الشّكوك.
لعبت الأوهام بمصائر الناس، وللأوهام أسباب وخواطر، أما بصدد أسباب اختفاء جدي رشدي، فيذهب الاحتمال إلى نواح كثيرة، أهمها، إمكانية هروبه والنجاة بنفسه جريحًا. وهْم آخر، التقاؤه بشخص ما، قدّمَ له الإسعافات اللازمة، وما يزال حيّا. وهْم آخر، أَسرِه مع الأسرى وسيطلق سراحه عند انتهاء الحرب. وهْم آخر، فقدانه لذاكرته. وهْم آخر، تيههِ وضياعه أثناء هروبه.
وبرزَ احتمال شديد الخطورة، أحد أعدائه، أو الطّامعين به، أو غريم ما، أو عدوّ ما، بيّت لحظة الغدر وانتهزها فرصة لقتله؟
تفاقمت الأوهام، أصعبها هذا الخبر الذي وصلني مؤخرا:
أدلى لي أحدهم بشهادة ما، شخصية معروفة من أبناء الرّملة، كان حاضرا على الأحداث وأخبرني أنّ رشدي قُـتل على يدّ رجل مُقرّب، وحملَ القاتل اسمًا معروفًا لدى العائلة.
اعترفَ الشّاهد بحقيقة ناقصة، ولم يَبح بالاسم، قال لي:
– خلّي اسمه يظلّ سرًا بيني وبين نفسي، الماضي مات وراح، كان هناك ثأرٌ قديمٌ وأخذَ القاتل بثأره من رشدي، ما بقدر أحكي أكثر من هيك، اسألي حدا من العائلة، وبلاش مشاكل!
أسقطني الشّاهد في قعر الأسرار!
– لكنني لم أصمت أمام السرّ العظيم، نبشتُ وتحرّيتُ ونقّبتُ، وقالت لي إحداهن (دون ذكر اسمها):
– رشدي مات مقتولًا، والقاتل فلان!
اتصلتُ بها عدة مرّات، رمتني بالجواب ذاته:
– رشدي مات مقتولًا على يدّ فلان!
ماذا أرادت هذه المرأة أن تقول وما هو هدفها؟ تواصلتُ معها مجدّدا وكرّرت السؤال، أجابت:
– لو كان القاتل غريبًا، لَما استجداه بألا يفعل، قال له في حينه، (لا تقتلني، أنا عندي أولاد بدّي أربيهم).
– لكنه مجرد احتمال! قلت لها.
– بل هي الحقيقة! أجابتني
وسقطَ القلم من بين أناملي، مفاجأة، فاجعة، مصيبة، بلوى، نوائب الدّهر شديدة…مؤلم!
لكن، لا وجود لبراهين كافية. اختلّ توازني، فهذا الرّجل الذي هو جدي لا يموت غدرًا، هذا الرّجل شخصية محورية في كتابي، ولا أريده أن يموت مغبونا، يا للخيبة!
طويتُ هذه الصفحة وزججتُ بها داخل دُرج المنسيّات، زيدَ وهْم آخر على سلسلة الأوهام، زيدَ احتمال آخر على مجموعة الاحتمالات، زيدَ شكّ آخر.
لكن،
داهمني سؤال فجٌّ أرّقني كثيرا: هل كانت تعلم جدتي بهذا الاحتمال ولم تعلن عنه بسبب الخوف؟ أعرفها خائفة وقلقة دائما، رغم ابتسامتها التي تشبة أوراق الخريف.
امرأة مثل شجرة التّين، صامدة ومعطاءة، تحمّلت القسوة والظُّلم، لا جوف لها حتى تتكلم وتُجابِه وتقول، ضعيفة ومستورة، وحيدة وبشوشة، عاقلة ومتفهمة، امرأة صموت وأطالت السكوت.
كَرِهَت جدّتي (القاتل)، تحاشت الرّجل كثيرًا، ولم تأتِ على ذكره نهائيا، لكن نظراتها هي التي قالت، اتسع بؤبؤاها خوفًا وتحفظًا كلما رأته، ولم تحزن على أسباب مرضهِ وشقائهِ في حياته ومماته بعد ذلك. اللّعنة على الخوف، اللّعنة لأنني عرفتُ الشخص ذاته في طفولتي، اللّعنة، كيف تحلّت جدّتي بالصّبر أثناء بقائهِ على قيد الحياة سبعة عشر عاما، بعد اختفاء رشدي وقبل أن يتذكره الله؟
جُـثـث ساخـنة
أما بالنسبة للجثث، فهناك احتمال وارد،
حصلت معركة حامية الوطيس بين الطرفين، وقتل فيها عدد كبير من المواطنين، في اليوم ذاته الذي حصل فيه الاشتباك، تجمّع الأهالي في مكان الاشتباك، ربطت المنطقة بين المدينتين، اللد والرملة، وصلها المواطنون للاستفهام عن وسيلة النقل التي ستساعدهم في النزوح، احتوت منطقة الاسم، مركز الصليب الأحمر وبناية مركز القيادة الأردني، والمنطقة بالنسبة لهم مكان أمين، أمّا بالنسبة لليهود فاعتُبرت أكثر المناطق خطورة وصعوبة في اخضاعها.
بعد أن أخضع اليهود مدينة الرّملة القريبة، ألزموا المواطنين العرب بتنظيف منطقة الاسم من المتاريس، وإزالة التحصينات حتى يتسنى لمركباتهم العبور من جهة الجنوب والاستيلاء على المدينة.
بعد يومين من السقوط، واستشهادا بشهادة أحد المناضلين، ويدعى سعيد العكّش، وقام مع الشباب بدفن الجثث في مقبرة جماعية، ولأن للخيبة والأسى أذرع طويلة أيضا، تمّ دفن الجرحى في الخندق ذاته أيضا.
قال العكّش:
– استغاث الأحياء من تحت التّراب، لكن لم يُستجب لهم، صوّبَ اليهود البنادق تهديدًا فوق رؤوسنا حتى نسرع في عملية الدّفن، والبلوى الكبرى هي أننا لم ننقذ أحدًا!
ذكر العُكّش أنه دفن أكثر من 500 جثة في الخندق ذاته، الذي سبق، وحفره المناضلون في منطقة الاسم لإعاقة العتاد العسكري اليهودي من دخول اللد.
أضحى الخندق مقبرة جماعية إذًا، غطست الأسرار داخل حفرة منسية، مهيبة، استحال غبار الخطوات إلى تراب بدماء آدمية، لقد حفرَ وردمَ العرب الخندق بروح وطنية!
تشابكت الأسئلة داخلي، لا جواب لها:
– هل دُفِنَ جدّي رشدي في الخندق ذاته؟ هل دُفن حيّا أم ميتًا؟ كيف قُتل وما هي جنسية الرصاصة التي اغتالته وعلى يد من؟ هل كفت رصاصة واحدة لقتله؟ من نصدّق، أقوال الشاهد الذي دفن الجثث دون معرفة هويتها، أم الفرضيات، أم الإشاعات؟ أعود، وأتساءل: هل دُفن جدّي ميتًا في الخندق المريع، أم دُفن حيًّا، في البقعة ذاتها التي فُقِدت آثاره فيها؟ ثلاثة من الأحياء رأوه هناك، غالية اخته وفوتين كنتها، والقاتل، لكن، ربما ما يزال حيّا، ربما لم يُقتل، ربما لم يُدفنهناك، ربما وربما وربما…
سجنتني الأسئلة فاختنقتُ فيها.