لا تسألوا الأشجار عن اسمها
الناشر: Gazebo Books
عدد الصفحات: 363 صفحة
أشرف على التحرير: عُلا غنوم، لُبنى هيكل
ترجمة وعرض وتحليل: صالح السقاف

في هذا العمل الجماعي الراقي، تسرد تسع نساء عربيات من لبنان وفلسطين والسودان قصصهن الخاصة، كل واحدة منهن تفتح نافذة على ذاكرتهن في الهجرة، الوطن، الانتماء، المعاناة، والتحديات التي واجهنها.

شارك في كتابة هذا الكتاب المبدعات: مريم معتوق، لُبنى هيكل، ماري حنون خِلة، سيفين طبوش، هند صعب، كيلدا عيد، كاميليا نعيم، عُلا غنوم، ونهى الخوري فرنسيس

الهجرة بين الاختيار والاجبار

تبدأ قصص الكتاب بمواقف وأحداث تسترجع الماضي البعيد، “النوستالجيا”، التي جمعت بين براءة الطفولة وأحلامها، والعيش في كنف عائلة توقر الكبير وتحترم الصغير.
إن زوايا الذكرى في كل قصة تحملنا إلى عوالم تمخضت عنها من  نجاحات وإخفاقات، عزلة وانفتاح، ثم استقرار واندماج.

في قصتها  Child of Palestine، تسترجع مريم معتوق Mariam Maatooq  صور ذاكرتها منذ نكبة 1948 وهجرة الأهل إلى هضبة الجولان، لتبدأ هجرة مريم الأولى مع نكسة حزيران 1967..

غادرت مريم فلسطين في يوم لم تكن قد وُلدت بعد في رحم أمها. كبُرت، ومعها حلم العودة من فلسطين الخيالية إلى فلسطين الحقيقية. طال انتظار مريم.

وتستذكر سيفين طبوش  Sivine Tabbouch، في قصتها  Glasshouse ذكريات طفولتها في مدينة طرابلس في مايو/آيار 1976. وقلق والدتها الشديد  حين افصحت عن مخاوفها  لأبيها  قائلة : “أريد إنقاذ أطفالنا. لا سمح الله، لا أريد أن يُقتلوا بسبب الدين، ولا أن نفقدهم بسبب القنابل أو الميليشيات. لا أريد أن تُكسر قلوبنا كما كسر فادي قلب أمه. … هذه حرب أهلية يا إبراهيم، وقد لا تنتهي قريبًا. سيتأثر تعليمهم. لا مستقبل لهم هنا.” توسلت إلى أبي أن يوافق على قرارها بمغادرة لبنان والذهاب إلى أستراليا.”

…”تجاهلت أمي تهديدات أبي، فسافرت وحدها بالعبّارة إلى السفارة الأسترالية في قبرص. بعد خمسة عشر يومًا من رحلتها المنفردة، عادت أمي بملابس جديدة وتأشيرات لستة من أبنائها الخمسة عشر.”

وفي قصتها  Come with Me from Lebanon

تتذكر كيلدا عيد  Kilda  Eid كيف ذهبت إلى بيروت مع خطيبها، حيث تم الزواج في نفس اليوم، وهي في سن الثامنة عشرة، متحدية الأعراف الاجتماعية ومتزوجة من رجل مسلم بالكاد تعرفه أو تربطها به أي علاقة.

” حدقت غربًا نحو المنزل الذي نشأت فيه، أحاول كبح دموعي. كان التنفس مؤلمًا. تسارع نبض قلبي. صمّت أذناي من هدير أفكاري. كيف لي أن أكون بهذه الطيش؟ كيف لم أفكر في عواقب ذلك على من أحبهم أكثر من أي شيء؟ كيف لي أن أغادر لبنان؟ ثمانية عشر عامًا من عمري محفورة في ترابها.”

في المقابل، كانت فكرة مغادرة السودان صعبة على ماري حنون خِلة Mary Hanoun  Khilla  في قصتها  Farewell Sudan، لكنها اضطرت لقبولها حفاظًا على سلامة العائلة. تقول أمها بحزم:
“ميمي، لقد شرحت لك أنه يجب علينا جميعًا المغادرة حفاظًا على سلامة العائلة. هل نسيت الخوف والفوضى التي عانينا منها أثناء الانقلاب؟”

تتوالى سرديات  الهجرة  ودوافعها في قصص الكاتبات، منهن من اختارت الزواج للهجرة ارضاء للوالدين ، أو من كان أهلها  يطمحون  لهجرة مؤقتة لتعليم الأبناء  وكسب مايكفي من المال أو ربما هجرة جاءت بالصدفة. تعددت الأسباب، لكن الهجرة واحدة.

معاناة واستقرار ونجاحات

ماذا يخبئ القدر لتسع نساء اقتُلِعن من جذورهن ليتم غرسهن في بلاد الكنغر؟ بلاد جميلة بطبيعتها، كريمة بترحيبها بالمهاجرين من شتى بقاع الأرض، ليساهموا في نهضتها وعمرانها.

. لم تكن السنوات الأولى من الهجرة مفروشة بالورود، لقد عانت كل واحدة منهن في البداية من شعور الوحدة أو الذنب أو الحنين، دون من يقف إلى جانبها ويشد من أزرها كما كان يحدث في بلدها، حيث يحيط بها الأقارب والأصدقاء في السراء والضراء.

التحديات كانت كثيرة، أبرزها تعلم اللغة الإنجليزية، لكن بالإرادة والتصميم تمكنت جميعهن من اتقانها ، والاستفادة من الفرص المتاحة في مجالات العمل، وتحقيق نجاحات باهرة في الدراسة الجامعية والحياة العملية والأسرية، والاندماج في المجتمع الأسترالي، مع الحفاظ على جذورهن الثقافية والدينية والاجتماعية.

تقول نهى الخوري فرانسيس Nouha El-Khoury Francis

في  قصتها People Magnet  Em Jamaheer: The اكتشفت ذاتي الحقيقية عندما عملت كمدرسة للغة العربية بعد انتهاء الدوام المدرسي. قررت العودة إلى الجامعة لأصبح معلمة مؤهلة في النظام التعليمي الأسترالي. أكملت دراستي الجامعية في التربية، مما أتاح لي التدريس في المدارس الابتدائية الأسترالية.”

أما لبنى هيكل Loubna Haikal  فقد حصلت على علامات عالية في شهادة الثانوية العامة، ما أتاح لها الالتحاق بكلية الطب وحققت ماكانت تصبو اليه كما تسرد في قصتها” Pillar of Salt
“بعد التخرج، أسست أنا وأختي الكبرى – وكلانا طبيبتان الآن – عيادة طبية عامة. أعادت العيادة ربطنا بالجالية اللبنانية، حيث كان المهاجرون الجدد واللاجئون الذين لا يتحدثون الإنجليزية يأتون إلى عيادتنا طلبًا للعلاج من أمراضهم، وكذلك للمساعدة في علاج أقاربهم في لبنان الذي مزقته الحرب.”

على الجانب الموازي   تمكنت هند صعب  Hind  Saab من الحصول على دبلوم في مجال الرعاية الاجتماعية، وأكملت دراستها العليا، لتصبح أخصائية نفسية لأكثر من 30 عامًا: وتتحدث في قصتها Deep Roots عن الانجازات التي حققتها  في هذا المجال :
“اكتشفت الأثر البالغ للهجرة على الصحة النفسية للمهاجرين واللاجئين، وتعرّفت على الآثار الطويلة الأمد للحروب والنزوح على الأفراد والأسر والمجتمعات. قمت بتطوير برنامج للتوعية الأسرية والصحة النفسية، وبرنامج لليقظة الذهنية والرفاهية باللغتين الإنجليزية والعربية، وكنت فخورة برؤية هذا البرنامج، الذي أصبح من أنجح برامج علم النفس التطبيقي في أستراليا، وحصلت خلال مسيرتي المهنية على العديد من التكريمات والجوائز.”

وتوضح عُلا غنوم Oula Ghannoum  في قصتها The Urban Dervish     أنها قسمت وقتها بين الجامعة والمستشفى والمنزل، قبل أن تتحول من طب الأسنان إلى العلوم:
“تركت طب الأسنان والتحقتُ ببرنامج بكالوريوس العلوم في جامعة نيو ساوث ويلز، وتخرجت بمرتبة الشرف في الكيمياء الحيوية النباتية. لاحقًا حصلت على منحة دكتوراه من جامعة غرب سيدني لإجراء بحث حول استجابات الأعشاب الاستوائية لتغير المناخ.”

وتصف كاميليا نعيم Camilia Naim في قصتها The Fragrance of Two Homes كيف استطاعت الحصول على عمل كسكرتيرة في مركز طبي، ثم التحقت  بدورة في العقارات وعملت فيها  لسنوات. لكنها  كانت تعشق العمل التجاري الى أن تحقق الحلم  تقول: ” بعد أن أنهى ابني الأكبر جمال دراسته الثانوية، افتتحنا معًا متجرنا الصغير، نبيع فيه مواد غذائية أسترالية ولبنانية. أصبح زبائننا الأستراليون بمثابة عائلة لنا، فقد تعرفوا على توابلنا ومنتجاتنا، واستمتعوا بالوصفات التي كنتُ أقدمها لهم.

تعتز كاميليا باللغة العربية  وتقدّر الأدب تقديراً كبيراً ، حيث قامت بكتابة ونشر كتابين شعريين باللغة العربية.

جسد يسكن بين وطنيين

قصص الكتاب تغوص في اعماق الغربة والحنين للوطن هاهي سيفين طبوش تصف صدمة العودة إلى طرابلس لأول مرة منذ هجرتها:
“عندما غادرت طرابلس طفلة، كنت أتصور منزلنا كقلعة فخمة. لكن عندما عدت، وجدت بيتًا صغيرًا متهاويًا، غرفه متداعية وشرفاته مهملة. كان الصمت مخيمًا على المكان – لا أم كلثوم، ولا فريد الأطرش يُعزف. بهتت بلاطات صالون استقبالنا، وأصبحت الجدران مثقوبة بثقوب الرصاص وشظايا القنابل. بحثت عن الفتاة التي كانت ترقص في قلعتها يومًا ما، لكنها رحلت، دُفنت تحت وطأة الحزن على ما فُقد عام 1976.”

كاميليا نعيم وصلت إلى قمة اليأس بسبب شوقها للوطن، وعندما تمكنت من السفر إلى لبنان، حملت معها طفلها لتعود أخيرًا إلى جذورها.

نهى الخوري فرانسيس شعرت بالغربة في وطنها بعد 13 عامًا من العيش في أستراليا:
“احتفلنا بعيد الميلاد في لبنان ورأس السنة في قبرص. شعرت بالحيرة، لم أشعر بالانتماء هناك، رغم أن شيئًا لم يتغير. أدركت أن ما تغير هو أنا.”

هند صعب بعد سنوات من الغربة، عادت إلى لبنان لتحقق حلمها بامتلاك منزل: “دخول منزلي الخاص في لبنان لأول مرة شعور سريالي، عزز ارتباطي بالوطن وكان دافعًا لزيارتي اللاحقة.”

لبنى هيكل واجهت صعوبة الاندماج عند عودتها بعد دراسة الطب:
“كانت أول رحلة لي إلى لبنان عام 1984، بعد 15عامًا من مغادرتي. عندما وصلت، كان لبنان قد عانى تسع سنوات من الحرب وفقد هويته. شعرت بالغربة أكثر من أستراليا، وأدركت أنني أحمل الوطن بداخلي، في جسدي وروحي، جنبًا إلى جنب مع أصوات سيدني ومناظرها الطبيعية.”

كيلدا عيد استطاعت أخيرًا العودة بعد سبع سنوات من الغربة، وهي حاملة طفلتيها وطفلًا في رحمها، واستنشقت هواء مسقط رأسها، وشعرت بروحها تعود إليها.

ماري حنون خلة عادت إلى السودان عام 2009 مع ابنتها، لتعرفها على موطنها الأصلي، وتشهد مدى تماسك المجتمع السوداني وأصالته.

عُلا غنوم زارت لبنان في صيف 1993، بعد ست سنوات من وصولها إلى أستراليا، لتشهد التغيرات وما تبقى من آثار الحرب.

مريم معتوق تمكنت أخيرًا من زيارة فلسطين عام 2006 بعد حصولها على جواز سفر أسترالي، لتكون أعظم هدية قدمتها لها أستراليا.

 

 

 

 

                                  ” لاتسألوا الأشجار”

يسرّنا الإعلان عن فعالية حوارية بعنوان “لا تسألوا الأشجار” ضمن فعاليات مركز الفنون الإبداعية (ACE) يوم السبت 7 فبراير 2026.2.30 – 5.30 pm

8 Victoria Rd, Parramatta

يجمع هذا الحدث الكتّاب التسعة الذين ألّفوا كتاب “لا تسألوا الأشجار عن أسمائها: قصص الرحيل والنشأة” – وهو مختارات أدبية قيّمة من إصدار دار نشر Gazebo Book​​- في حوارٍ ثريّ حول النزوح، والصمود، وفنّ سرد القصص .

 

التذاكر متوفرة الآن على الرابط التالي: https://bit.ly/460RxEt