نبيل النشار – سدني
كانت أشعة الشمس الذهبية تنذر باقتراب الغروب، وها أنا عائدٌ إلى منزلي مشياً على الأقدام منذ يومين.
ملفحٌ بمعطفي الرمادي، مستمتعٌ ببرد حزيران/يونيو الأسترالي، بعد يوم عملٍ طويل.
برغم الإعياء من أسبوع العمل الشاق، إلا أن مشاعر عذبة خالجتني في تلك اللحظة.
شعرت بالسكينة والرضا، فكانت لحظة إدراك مفاجئ، صرحت إلى نفسي فيها أن القدر حقق أحلام الصبية.
وسرعان ما تحول الشعور إلى الزهو واعتزازاً بالنفس. فها هي أمنيات الطفولة، صارت واقعاً محققاً، أعيشه وأتنفسه.
صرت رجلاً مشتد البنيان، هاجر إلى بلدٍ أجنبي يتفق مع قيمي ومبادئي التي تبنيت.
ها أنا أعمل مراسل أخبار في التلفزيون الرسمي الحكومي ABC، أعرض قصص المظلومين وأسائل المسؤولين.
ها أنا يشار إلى نجاحاتي المتواضعة بحب ووداد من حبيبةٍ وخليلةٍ يغار من جمالها البدر ويغار عليها مني الجبل. وحولي أصدقاٌ وأقرباءٌ وزملاءٌ، اكتسبهم في الغربة.
لم تستغرق تلك المشاعر، ولا الأفكار التي جُرّت في ذيولها قدر ثانية. ولكن ما تلاها استوقفني لدقائق مرت بطيئة، ثابتة مؤكدة.
لما حققت أياً من ذلك إن لم يرفعني والداي فوق رأسيهما وهما على أطراف أصابعمها، يدفعانني إلى أعلى ويشجعانني على أن أمد يديَّ لأقطف ثمرات شجرةٍ زرعاها من بذرةٍ متواضعة.
فلولا إصرار أبي الأبي على أن أتخطاه في كل مدارك الحياة، لما تفوقت في المرحلة الثانوية، لتقبلني جامعة عريقة، تتلمذت فيها على أيدي أفضل أساتذة العصر.
ولولا صبره على تدريبي في كل رياضةٍ أبديت أدنى إهتمامٍ بها، لما حافظت على صحتي وقوامي.
ولولا حرصه على تأديبي وحفظ لألفاظه لما اكتسبت حكمته في اللسان ولباقة حديثه.
ولولا اصطحابه لي منذ نعومة أظافري، لمساعدة كل محتاج وتفانيه في خدمة من حوله بدون انتظار مقابل، لما اكتسبت حسي الشرس للدفاع عن كل مظلوم.
ولولا ولولا ولولا….
ولولاه…ما كنت
وتحول الزهو والاعتزاز بالنفس، إلى الاعتزاز بالأب.
اتسع ثغري ليكشف عن ابتسامة رقيقة، أهديتها إلى أبي.
كل سنة وانت طيب يا بابا، وعيد أب سعيد