استذكرت عضو كتلة القوات اللبنانية النائب ستريدا جعجع، خلال مقابلة مع الـBBC عربية ضمن برنامج «المشهد» مع الاعلامية جيزيل خوري، مرحلة اعتقال رئيس حزب القوات اللبنانية سمير جعجع طيلة 11 عاماً وزمن النضال مع الرفاق في الحزب لحين خروجه.
وعمّا قاله رئيس حزب القوات لزوجته يوم اعتقاله في 21 نيسان 1994، قالت جعجع:» أود أن أعود بالذاكرة الى تلك الفترة الزمنية، حين تم تفجير كنيسة سيدة النجاة في 27 شباط 1994 فحاصروا مقر القوات اللبنانية في «غدراس» في 10 آذار 1994 وتم حلّ الحزب في 23 آذار واعتقلوا رئيس الهيئة الادارية في الحزب فؤاد مالك، لقد عايشت كل هذه المرحلة ولكني لم أتصور بأي لحظة انهم ممكن ان يعتقلوا سمير جعجع في 21 نيسان 1994، يومها كنت أحضّر نفسي للقيام بتمثيله في إحدى السفارات، فطلب مني عدم المغادرة والبقاء الى جانبه، وحوالي الساعة الثامنة مساءً طلب رؤيتي وقال لي: سوف أسلّم نفسي، فأنا متهم بملفات زور لا علاقة لي بها، وأنا بريء من كل ما يحصل لذا قررت تسليم نفسي، وضبي لي حقيبة صغيرة، سيصل جان سلوم وحين أغادر أود منك أن تزوري البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير وان تطلبي منه ألا يأخذوني الى سجن وزارة الدفاع، لأننا علمنا في تلك الفترة بعد اعتقال عدد من رفاقنا أنه كانت تحصل ضغوطات كبيرة هناك من تعذيب جسدي ومعنوي ونفسي، كما طلبَ مني أن يحققوا معه في قصر العدل في وجود نقيب المحامين آنذاك ميشال خطار، وكان مدرك تماماً كيف كانت الملفات تُركّب… وقد زرت البطريرك صفير في اليوم التالي اي 22 نيسان وأوصلتُ له هذين الطلبين فقال لي أنه سيتصل بالمعنيين، فاتصل برئيس الجمهورية الياس الهراوي وطلب منه نقل سمير جعجع من سجن وزارة الدفاع ولكن ذلك لم يحصل…»
ورداً على سؤال، أجابت جعجع:» ان سمير جعجع من القادة السياسيين الذين لا يهربون، وكان واثقاً من براءته، وأراد عن سابق تصوّر وتصميم تسليم نفسه لأنه مدرك تماماً أنه لم يفعل شيئاً».
وعن أول لقاء في السجن، قالت جعجع:» أخذت اذناً لأراه في حبس وزارة الدفاع، ولا أخفي أنني حين وصلت تلقيت اول صدمة حين أدخلوني الى غرفة وجردوني من كل ملابسي، اذ كان يوجد خطة مسبقاً لإذلالي، وبعدما خضعت للتفتيش، سرتُ حوالي ربع ساعة في ساحة كبيرة ثم وصلت الى المبنى رقم 2 أو ما يُسمونه مبنى المعتقلين السياسيين، وهناك نزلت طابقين تحت الأرض، فكانت الصدمة الثانية حين رأيتُ زوجي جالساً في غرفة صغيرة وبمنظر لا استطيع نسيانه حتى اليوم، لقد كان وجهه أسوداً ولم يأكل أو يشرب أو ينام منذ ثلاثة أيام، حين نظرت الى عينيه شعرتُ وكأنه يقول لي أخرجيني من هنا بأسرع وقت ممكن، فرأيتُ أن حذاءه من دون شريط، وأن بنطاله من دون زنار وسيقع عنه، ولم يدعوني أختلي معه كوني زوجته بل كان يقف الى جانبنا عسكريان… رأيتُ عليه آثار التعذيب المعنوي والنفسي وحتى الجسدي لأنني علمتُ بعد ذلك أنهم ابقوه واقفاً طوال الليل مع رجليه بعيدتين عن بعضهما البعض ولم يدعوه ينام، فقال لي ما قلته لكِ قبل أن أترك مهم جداً بالنسبة لي يا ستريدا، هل قابلت هذا الشخص؟ فتدخل العسكريان قائلين:» ممنوع أن تتكلما»…فقال لي:»ستريدا يجب أن أخرج من هنا بأسرع وقت»، فتم إيقاف الزيارة وطُلب مني الخروج.»
وعن مرحلة المحاكمات، قالت جعجع:» مررنا بصعوبات كبيرة، فالحزب كان منحلاً ورئيسه بالاعتقال، وكانت سلطة الوصاية آنذاك تمارس ضغطاً كبيراً على المحامين والشهود، بهدف تغيير أقوالهم، وهددوهم بالقتل، وتحديداً النظام الأمني اللبناني-السوري في تلك الفترة، كما تم الضغط على المحامين وقيل لهم اذا توكلتم عن سمير جعجع مصيركم السجن، وبالرغم من كل الضغوطات التي حصلت، كان هناك فريق من المحامين القواتيين حوالي 125 محامياً تبرعوا للدفاع عن سمير جعجع، وفي ما بعد خمسة محامين من بينهم: د. إدمون نعيم وموسى برنس رحمهما الله، ثم كريم بقرادوني وادمون رزق وعصام كرم، الذين أحب أن أحييهم…»
وعن قرارها خوض حزب القوات للانتخابات البلدية عام 1998، ذكّرت جعجع أنها تعرضت «لحرب كبيرة داخل الحزب من بعض الرفاق، وكان هناك مقولة انه يجب انتظار خروج «الحكيم» من الاعتقال بدون القيام بأي تحرُك، وأخرى تقول انه يجب تسليم قرارنا لسلطة الوصاية مما يسرّع بإخراج جعجع من الاعتقال، أما مجموعة «يسوع الملك» في المقر الذي كنت أعيش فيه كانت تقول اننا يجب ان نطالب بحقنا والمشاركة بالاستحقاقات الانتخابية السياسية والمطالبة بخروج الحكيم من المعتقل مع المحافظة على ثوابتنا، لنُثبت ان الحزب لم ينتهِ وان سمير جعجع لم ينتهِ أيضاً… واتخذنا قراراً بالمشاركة في الانتخابات البلدية عام 1998 التي كانت تحصل لأول مرة بعد 34 عاماً فكانت انتخابات حرة نوعاً ما، وقررنا خوضها في محافظة الشمال وجبل لبنان وفي بيروت، فاتصل بي الوزير فؤاد بطرس وقال لي ان الرئيس رفيق الحريري اتصل به ويود ان تكون كل الأطراف السياسية متمثلة في انتخابات بيروت عام 1998 وبمن فيهم القوات اللبنانية، وفي الواقع قدرتُ اتصالهُ حينها خصوصاً في ظل الوضع السياسي والأمني الذي كان سائداً آنذاك، وكانت بطولة من الرئيس الحريري ان يمد يده باتجاه القوات اللبنانية، فاجتمعتَ مع مجموعة بيروت وقررنا ان يشارك فيها المهندس جو سركيس الذي صار وزيراً للسياحة فيما بعد في العام 2005 في حكومة الرئيس فؤاد السنيورة، ولكن حينها لم ألتقِ الرئيس الحريري بل كان التواصل يتم من خلال الوزير فؤاد بطرس حمايةً لنا من الضغط الذي كنا نتعرض له حينها، ولكن بالرغم من كل ما حصل والفوز الذي حققناه، وبعد ان سافرت الى الخارج في إجازة، اختلقوا لنا تفجير الدورة إضافةً الى حادثة اطلاق رصاص على باص يُقل ركاباً سوريين، واتُهمت القوات بهاتين الحادثتين…»
وذكّرت جعجع «ان النظام الأمني اللبناني-السوري كان يضع لبنان تحت قبضة من حديد، وما ان انتهت الانتخابات أرادوا معرفة كيف تحركت الماكينة الانتخابية القواتية بعد اربع سنوات ونصف من اعتقال الحكيم وحلّ الحزب وبعد خمسة أحكام من المؤبد، ففتشوا ووجدوا ان من حرّكها هي أنا مع مجموعة من الرفاق في القوات، فاتخذوا قراراً عمداً بتوقيفي بتهمة القيام بتفجيرات في لبنان وسوريا، وكنت برفقة شقيقي في الخارج، فاتصلت بي شقيقتي دنيز، وأبلغتني، فاتصلت بالشيخ فريد حبيب وطلبت منه ان يزور البطريرك صفير في الديمان ويسأله ما الذي يجب أن أفعله؟ هل أعود الى لبنان أم لا؟ فقال له صفير فلتبقَ خارج لبنان لأن لديه أجواءً بأن مصيري سيكون مشابهاً لمصير زوجي، ولأول وهلة فكرتُ وقلتُ أنهم يريدونني أن أبقى خارج لبنان، فجهزتُ نفسي أنني سأُعتقل على المطار وطلبت من أخي توكيل محامٍ لي، فوصلت الى المطار ولم يتم توقيفي، ثم انتقلت الى منزلنا في «يسوع الملك» وطلبت رؤية المحامي كريم بقرادوني، باعتبار أن المتهم في تفجيرات في لبنان وسوريا يُحال الى محكمة عسكرية أي لا يكون لديه حق اصطحاب محام معه الى المحكمة، وطلبت من بقرادوني أن يتوكّل عني، وكنت خائفة جداً صراحةً لأنني عايشتُ ما حصل مع زوجي ومع الرفيقة انطوانيت شاهين التي اتُهمت زوراً بتفجير سيدة النجاة وبمقتل كاهن ثم خرجت لاحقاً ببراءة…»
وأردفت:»في المحكمة العسكرية، أدخلوني الى غرفة فيها طاولة وأربع كراسٍ، وعليها آلة لفحص الكذب كنوع من تهويل يُمارس علي، وبعد انتظار ساعة أدخلوني الى غرفة القاضي رياض طليع التي يجلس فيها كاتب عسكري، فطرح علي القاضي رياض طليع عدداً من الأسئلة، فسأل عن اسمي واسم ابي واسم أمي، ثم قال لي:»ما رأيك بالفيدرالية؟ ولماذا تمارسون نشاطات ممنوعة كحزب منحل؟»، ثم طلب من الكاتب الخروج من الغرفة وقال لي أنا اسمي رياض طليع وأنا درزي من جماعة النائب وليد جنبلاط واسم ابني تيمور، كل ما يحصل أحكاماً سياسية وأنا أنصحك بالتروي والا سيكون مصيرك كمصير زوجك، فهذه مرحلة سياسية ولا شيء يدوم في لبنان…»
ونوّهت جعجع بتضحيات «الرفاق في القوات اللبنانية الذين ساندوني ووقفوا الى جانبي وبقوا مؤمنين بقضية الحكيم بالرغم من كل التهديدات، ومن ضمنهم أيضاً قطاع مصلحة الطلاب الذي كان ناشطاً جداً، والكوادر في المناطق من أقصى الجنوب الى أقصى الشمال… أما سياسياً، فقد ساعدني البطريرك صفير، ومدير الأمن العام السابق زاهي البستاني الذي كان صلة الوصل بين الحكيم وبين الرئيس رفيق الحريري قبل دخول زوجي الى المعتقل، وأذكر أيضاً د. فارس سعيد الذي كان اول شخص يوقع على اقتراح العفو عن سمير جعجع، ولا أنسى النائب وليد جنبلاط الذي زارني في أواخر العام 2004».
وعن كيفية التقارب مع جنبلاط ، شرحت جعجع أنه «في العام 2000 خرج العدو الاسرائيلي من لبنان، وأصدر مجلس المطارنة بياناً شديد اللهجة في أيلول من العام نفسه يطالب بخروج الجيش السوري من لبنان، كما كان يطالب لقاء «قرنة شهوان» بسيادة واستقلال وحرية لبنان والأهم من ذلك التلاقي والحوار بين اللبنانيين، فلاقى الزعيم جنبلاط لقاء «قرنة شهوان» في منتصف الطريق، وجراء هذا الأمر جاءت محاولة اغتيال النائب مروان حمادة عام 2004 لأن بشار الأسد كان يعتبر ان التلاقي بين اللبنانيين يُخسّره سلطة الوصاية على لبنان، فأخذ جنبلاط قراره بزيارتي في «يسوع الملك» أواخر العام 2004 لترسيخ المصالحة الدرزية-المسيحية… فنقل لي د. فارس سعيد رغبة جنبلاط بزيارتي بعد أن تمنيت ان يكون اللقاء في يسوع الملك وليس في المختارة او في بيت د. سعيد لأنني كنتُ أريد ترسيخ منزل سمير جعجع كمرجعية سياسية وطنية… وخلال الزبارة، كان النائب جنبلاط كعادته لائقاً وسأل عن الحكيم وأصر على ترسيخ المصالحة بعد زيارة البطريرك لمنطقة الجبل، وقد أخبرني لاحقاً أن الرئيس رفيق الحريري قال له حين علم بزيارته لي أنت مجنون سوف يقتلونك ما ان تخرج من المنزل هناك، وهذا الأمر أقوله للتاريخ»…
وعن اتصال الرئيس رفيق الحريري بها، قالت جعجع:» بداية العام 2005، زارني صديق مشترك هو الصحافي نصير الأسعد، رحمه الله، وقال لي أن الرئيس الحريري يريد مكالمتك، فقال لي:» أنا أريد معايدتك وأقول لكِ أن الحكيم سيكون معنا هذه السنة بمشيئة الله»، وقد شاء القدر أن يُستشهد الحريري في شباط 2005 وان يخرج الحكيم من المعتقل في العام نفسه…»
وعمّا اذا ما كانت الأنوثة لعبت دوراً في مساعدتها على تخطي الصعاب، قالت جعجع:» القصة ليست قصة أنوثة، بل مررتُ في أمور صعبة جداً، فنحن في مجتمع ذكوري شرقي بامتياز، فحتى حين بدأنا التفاوض مع حلفائنا داخل قوى 14 آذار لخوض الانتخابات النيابية وقبل خروج الحكيم، كان يُعرض علي مقعداً واحداً في كل لبنان أي مقعدي أنا، ولكننا أصريت على ترشيح أربعة أشخاص في الشمال وأربعة آخرين في جبل لبنان، فحلفاؤنا حتى كانوا يعتبرون ان الحكيم في الاعتقال وانهم يتفاوضون مع سيدة هاجسها الأول والأخير خروج زوجها من المعتقل، لذا فلتسمح لنا نحن أن نحدد عدد المقاعد، ولكن ما كان يهمني هو خروج زوجي وان يكون للقوات اللبنانية الثقل السياسي الذي تستحقه، وكان يحصل بيني وبينهم شد كباش كبير وحتى أنني اضطررت الى التزود بأرقام احصائيات لتبيان حجم القوات اللبنانية على الأرض… اذاً الأنوثة لم تساعدني بل التيار الذي استندتُ اليه في تلك الفترة أي القوات اللبنانية التي وقفت الى جانبي، فكنا القوة التجييرية في محافظة الشمال مثلاً، ما جعلنا نصل الى كتلة نيابية من ست نواب، وللصدف ترأس الدكتور ادمون نعيم جلسة انتخاب رئيس مجلس النواب بصفته كبير السن بعد أن كنا طوال 11 عاماً تحت الأرض، وأذكرُ أيضاً في جلسة التصويت على اقتراح العفو عن زوجي في البرلمان حين قال لي النائب مروان حمادة لا أحسدكِ على هذا الموقف، لدرجة أنه عند التصويت قال لي زميلي ايلي كيروز ارفعي يدكِ لأنني لم أكن أصدق ما الذي يدور من حولي، وكأنني كنت أحلم والدمعة بعيني».