خسر الاعلام المسيحي الأخ نور (جهاد جورج باسيليس)، الذي طبع مسيرته بحياة نسكية استثنائية عن عمر ناهز ٧٨ عاما. والده من حلب ووالدته كسروانية ابنة أخ المطران يوسف نجم. هو الذي اختار أن يصنع نورًا حقيقيًا يصل إلى الناس فكرّس حياته للكرازة، وحمل بشارة الإنجيل بالكلمة ليعتبر أحد أبرز الوجوه المسيحية الروحية والإعلامية في لبنان، ليبقى علامة فارقة في حياة كنيستنا ومجتمعنا.

الاخ نور اقتدى بوصيّة يسوع: «اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم»، فحوّل إيمانه إلى رسالةٍ حيّة. ليبني حجر الأساس لمشروعٍ روحي عظيم أدخل النور إلى كل منزل في كل أرجاء العالم، بينما بقي هو بعيدًا عن الأضواء. لا يعرفه إلا القليل فكان الجنديّ المجهول حيث عمل بالخفاء من وراء الكواليس، إنه مؤسس قناة “تيلي لوميار” (Tele Lumiere) وهي أول قناة مسيحية في لبنان والعالم العربي تأسست عام 1991 وهي مؤسسة إعلامية غير ربحية تأسست بهدف نشر رسالة السلام والمحبة المسيحية، اضافة الى التبشير بكلمة الله و نشر تعاليم الكنيسة. ليتم فيما بعد سنة 2003 إطلاق فضائية “نورسات” لتغطية مناطق أوسع تشمل أوروبا، جنوب غرب آسيا، وشمال أفريقيا، أمريكا الشمالية والجنوبية وأستراليا.

رغم ما حقّقه من نجاح في مجال الإعلام المسيحي، اختار أن يبقى بعيدًا عن الأضواء، يفضّل العمل بصمتٍ على الظهور، صوره و مقابلاته شبه نادرة.  يعيش حياة مسيحية صافية، هادئة، عميقة، تشبه تلك التي عاشها السيد المسيح، حيث الفعل يسبق القول، والتواضع يسبق المجد الزائل.

لم يقتصر عطاء الاخ نور على الإعلام المسيحي بل امتدّ ليؤسس مؤسساتٍ اجتماعية  متنوعة لخدمة الانسان، تُجسّد روح الخدمة والعطاء ومساندة المحتاجين (انشاء ٢٧ مستوصف، عيادات نقالة، اطعام المشردين، معالجة المدمنين…). لقد مارس الفقر في حياته ليعيش دعوة المسيح بتواضعه ورسالته التبشيرية كما ترجم الإيمان الى افعال، لا الى مجرد خطب واقوال بحيث كانت اعماله الصالحة شهادة حية تمجد الله على طريق القداسة.

عندما التقيتُ بالاخ نور لأول مرة في كنيسة مار شربل في أدونيس- ذوق مصبح، حيث كان يتردد دائماً للصلاة، لم أكن أعرف من يكون. كان حضوره لافتًا وغريبًا في آنٍ معًا، شعره طويل، لحيته كثيفة، يرتدي ثوبًا مصنوعًا من الخيش، ويمشي حافي القدمين. أثار استغرابي في البداية، ظننته انساناً محتاجاً، لكن سرعان ما تبيّن لي أن هذا الرجل الذي يبدو غريبًا للوهلة الأولى، هو في الحقيقة إنسانًا عميقًا، يعيش إيمانًا حقيقيًا صادقًا، وصاحب رسالة سماوية. كنت ألتقيه دائماً كان يمشي حافياً مسرعاً، لا يلتفت لا يميناً ولا شمالاً لكي لا يستوقفه أحداً.

لم يكن الأخ نور كغيره من الناس، بل كان حالة فريدة بكل ما للكلمة من معنى. عاش ببساطةٍ أقرب إلى النسك، متحررًا من كل مظاهر الحياة وترفها، وكأنه اختار طريقًا خاصًا لا يشبه أحدًا. هو الراهب الذي اختار ان يعيش حياة التقشف والزهد، وتكريس حياته للصلاة والعمل الإنساني وخدمة الفقراء. كان طعامه اليومي الخبز الحاف مع الماء الساخن، كان يؤمّن البيوت للفقراء، بينما ينام هو على أرض مكتبه المتواضع.

لا أعلم من أطلق عليه اسم الأخ نور، لكنه كان حقًا اسمًا على مسمّى، فكان نورًا، لا في اسمه فقط، بل في رسالته وحياته، يبدّد الظلمة بأعماله الصالحة. ولعلّ هذا الاسم لم يكن صدفة، فهو الذي أسّس التليلميار ليكون منبرًا ينقل النور إلى الآخرين، وينشر كلمة الإيمان في القلوب، فصار اسمه انعكاسًا لرسالته: نورٌ يضيء، ويهدي، ونور في مماته لا ينطفئ ليبقى أثره بعد غيابه، ليكون شاهدًا حيًا أن من عاش لله يبقى نوره خالدًا.

لقد آمن في رسالته شخصيات اجتماعية مرموقة وتعاونوا معه في صمت، بعيدًا عن الأضواء. كانوا شركاء في الخير، لا يسعون إلى شهرة، بل إلى تحقيق الرسالة التي عاش لها، فشكّلوا معه جماعة إيمانٍ وعطاء، كان الله هو الرابط الحقيقي كالرئيس الراحل شارل الحلو، الوزير الراحل جورج افرام، فخر الكلاسي و غيرهم.

الاخ نور استدعاه الله الى ملكوته يوم الجمعة العظيمة، لم يكن ذلك مجرد صدفة بل يحمل دلالة عميقة إذ انه يومٌ يجسّد معاني التضحية والفداء، وهي ذاتها القيم التي عاش بها الاخ نور طوال حياته. كما  احتفل بالصلاة لراحة نفسه يوم سبت النور، وأيضاً لم يكن هذا اليوم تزامنٍ عابر، اذ انه انتقل إلى نور السّماء الّتي لطالما صبا إليها خلال حياته. فمَن مات مع المسيح، قام معه إلى حياةٍ جديدة لا تزول.

كان دائمًا يطلب من الناس ألا يقولوا “توفّي” عند موته، بل يقولوا “توفّق”. قد كانت هذه عبارته المفضلة التي تعكس إيمانه العميق بأن الموت هو انتقال وتوفيق للقاء الرب، وليس نهاية.

رحم الله الأخ نور، الذي عاش نورًا للآخرين، فاستحقّ أن ينتقل إلى النور الأبدي،