بقلم: أ.د / عماد وليد شبلاق
رئيس الجمعية الأمريكية لمهندسي القيمية بأستراليا ونيوزيلندا
ونائب رئيس المنتدى الثقافي الأسترالي العربي
وعضو الهيئة الاستشاريه بمجلة عرب أستراليا
لا أحد ينكر ما قدمتة دول مجلس التعاون الخليجي ( الست ) لاشقائها العرب من معونات ومساعدات في السابق ( وربما لا تزال )، ومخطئ من يجحد إقفال الباب أمام الاخوة العرب في توفير الوظائف والفرص العلمية والمهنية والاستثمارية أمام الشباب العربي في المشاركة في نهضة الاشقاء والوقوف مع بعضهم البعض في الازمات والشدائد في الوطن العربي من خليجة لمحيطة.
للاسف ما نراة اليوم من عتاب وخلاف بين الاشقاء العرب مردة للضعف والفرقة التي عصفت بالدول العربية ولأول مرة ومنذ زمن بعيد حيث إتسع شرخ الخلاف بين الاشقاء بشكل أكبر مما توقعة الكثير ولعلنا نتساءل في تحليلنا هذا عن ما يلي :
1- بالرغم من إشتراك دول المنطقة العربية او الشرق اوسطية في منظومة ( جامعة الدول العربية ) الا أن الاجتماعات الدورية والقرارات ( وكما صرح الكثير من الزعماء ) لم تكن أبدا على مستوى الطموحات والامال وفقدت مصداقيتها على مر العصور لدرجة رغبة البعض في إلغائها أو تهميشها وإقصائها من المشهد العربي.
2- ماذا يتوقع الكثير من الشعوب العربية من زعمائهم العرب ، فالمشهد السياسي الاستراتيجي لدول المنطقة يندرج تحت شقين : الاول وهو السياسة الخارجية لدول المنطقة و تحكمها الاتفاقيات المبرمة ( معاهدة الانجليزي / الفرنسي : سايكس – بيكو بعد الحرب العالمية الاولى ) والتي تراقبها الدول ذات العلاقة بالمنطقة ( بريطانيا وفرنسا ) وأما الاخر فهو السياسة الداخلية لهذة الدول وقد تركت للزعماء العرب أنفسهم لادارتها والتأكد من حسن السيرة والسلوك للشعوب وكما هي التفاهمات .
3- كانت الدول المراقبة أعلاة على حرص تام بأن لا تقوم أي تحالفات عربية – عربية حقيقية بين الاشقاء سواء سياسية كانت أو عروبية أو قومية ورأينا في السابق – الوحدة بين مصر وسوريا – وربما وحدة الاخوة في المغرب العربي وكلها بائت بالتفكك والاختلاف نتيجة التأثير والتدخل الغربي في الشؤون الداخلية للدول.
4- دول مجلس التعاون اتفقت فيما بينها لتكوين حلف أو فريق فيما بينها كونها تتشارك في نفس طبيعة الشعوب وثقافاتها وقربها الجغرافي وربما تصاهرها ومؤكد أنة لا يتعارض مع مبادئ جامعة الدول العربية من منطلق التفاهم والجوار والتطلعات المستقبلية كونها دول ناشئة وصغيرة الحجم نسبيا ولها نفس الاهداف .
5- الدول العربية وخصوصا دول مجلس التعاون لم تكن بهذا الاغراء والجذب الاقتصادي والاستراتيجي في السابق وربما كانت الهند ودول أسيا وأفريقيا أكثر ثراء وقيمة لدول الغرب المستعمر وسبحان مغير الاحوال فأصبحت المنطقة محط أنظار الدول العظمى أو الحيتان الكبرى وخصوصا بعدما أصبحت دول المجلس تمتلك الثروات الهائلة من الغاز والنفط والمعادن الثمينة والاصول النقدية والاستثمارات.
هذه الدول صغيرة الحجم والكثافة السكنية نسبيا و عظيمة الشأن والتأثير إقتصاديا وسياسيا أحست بهذا وأدركت أنها في مأزق الحماية والرعاية والحفاظ على المكتسبات الوطنية وبدأت تتسابق على بناء مقدراتها ومكاسبها ضمن العمل الفردي التنافسي وللاسف لم يتم تفعيل معاهدات الدفاع المشترك الخليجي
بين هذة الدول ، وكل ما كتب أو جاء في بنود مجلس التعاون لم يترجم للواقع في حقيقة الامر ( ربما فقط التنقل بالبطاقة الشخصية بين الدول ) وحتى العملة الخليجية الموحدة لم يتم العمل بها حسب علمي ولقد ناقش الكثير من السياسيون وأصحاب القرارضرورة العمل الجماعي وبذل الجهد للوحدة والتقارب الا أننا شاهدنا المزيد من الخلافات والانشقاق بين الاخوة الاشقاء في الخليج في الاونة الاخيرة .
بعضا من دول المجلس اليوم في عتب شديد لاخوانهم العرب الاشقاء في جامعه الدول العربية ( مظلة العرب أو بيت العرب لو صح التعبير ) لعدم وقوفهم معهم في هذة اللحظات المصيرية سواء عسكريا أو إستراتيجيا وكما الخليجيون عتبى على أخوانهم العرب فبعض العرب أيضا يبادلونهم نفس العتب ولا داعي لذكر الاسباب فالمشهد بات واضحا كيف أنقسم الصف العربي – الخليجي نتيجة مواقف الدول وحكامهم من الازمة و التي عصفت بالمنطقة بدءاً من الاعتداء على غزة وتركها وحيدة لتواجه مصيرها جوعا وظلما وقهرا وحتى اللعبة الماكرة الاخيرة لضرب الشعوب بعضها ببعض ( إيران ودول المجلس ) والتي قام الغرب بحبكها ، فاليوم دول المنطقة العربية أو الشرق أوسطية لم تعد تحتكم لقرارات مجلس الجامعة العربية ولا لمبادئ العروبة او القومية أو الجوار ولا حتى لل اللغة اوالدين فمقياس الحكم اليوم هل أنتم مع أمريكا أم لا ؟ وأن كانت الاخيرة فسيكون العقاب قاسيا والحصار والعزلة مريرين وشاهدنا ماذا تفعل الاخيرة في تعاملها مع الدول الاخرى في منظومة الامم المتحدة من فوقية القانون والمعاهدات الدولية . أمريكا اليوم هي التي تتحكم بمجريات الامور في الشرق الاوسط بعد أن كانت الدولتان العظميان ( بريطانيا وفرنسا ) من يقوم بذلك !
أمريكا اليوم لا تتعامل مع أحد في دول مجلس التعاون ولا حتى الدول العربية بكاملها بصفة الحليف أو الصديق بل وتعلنها صريحة أمام هولاء بأن حليفتها الوحيده في المنطقة هي ( الكيان الغاصب ) وأنها ملزمة بالدفاع عنها حتى الرمق الاخير ولسان حالها إما أن تكونوا معنا أو سيكون الرد قاسيا وربما مدمرا.
دول مجلس التعاون حاولت جاهدة مع بعضها البعض أن تخرج من هذا المأزق باللجوء الى الاشقاء من مصر أو الاصدقاء من تركيا والباكستان أو حتى من أوكرانيا وأوروبا و ربما من الصين وروسيا لمزيد من التحالفات والدعم السياسي والعسكري وقد لا تجدي نفعا لعلاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة وقد يكون المخرج أو الحل حالما وخياليا وإستراتيجيا ( يحتاج لسنوات طوال ) وذلك بالاعتماد على النفس من خلال تهيئة شعوب دول المجلس للدفاع عن نفسها فلديها الامكانات المالية الهائلة للتصنيع والاعداد والتجهيز وفتح باب الهجرة للكفاءات العربية والعالمية والعمل على زيادة عدد السكان ( أنظر الى أمريكا كيف أستفادت من المهاجرين في بناء قوتها العسكرية والتقنيه في خلال الخمسين سنة الماضية وكذلك أستراليا وكندا وغيرها ).
للاسف دول مجلس التعاون في مأزق كبير وعليها أن تعيد التفكير وبشكل عميق وإستراتيجي في هويتها الوجودية ولن يتحرك أحد لمساعدتها لا من الاشقاء ولا من الاصدقاء الا بعد التأكد من التوافق في المصالح والمنافع وتوازن القوى وإستراتيجية التحالفات العالمية الجيوإستراتيجية واللة الموفق.


