الدكتور بول طبر

أيّ مراجعةٍ لأدبيات القوى السياسية في لبنان تُظهر بوضوح ـ ولو من دون اعترافٍ صريح ـ إهمالها لمهام بناء الوطن والدولة بالمعنى الحديث؛ أي إقامة وطنٍ جامع لجميع اللبنانيين، ودولةٍ تتعامل مع مواطنيها على أساس المساواة في الحقوق والواجبات. وإذا كانت الأحزاب الطائفية والزعامات التقليدية تُظهر عجزاً بيّناً، فكراً وممارسةً، عن الارتقاء إلى مستوى التعامل مع اللبنانيين كمواطنين متساوين، تُجسَّد حقوقهم وواجباتهم في الدستور والقوانين ومؤسسات الدولة، فإن هذا القصور يبدو أكثر التباساً ـ إن لم يكن مهملاً ـ في خطاب القوى اليسارية والقومية التي نشأت في لبنان منذ عام 1920 وحتى اليوم.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى تراجع هذه الظاهرة تدريجياً، ولا سيما بعد انتفاضة 17 تشرين 2019، حيث بدأ يتبلور وعيٌ متزايد بأولوية العمل على بناء لبنان بوصفه وطناً ودولةً بالمعنى الحديث المشار إليه.

فكيف تناولت ـ أو تجاهلت ـ القوى اليسارية والقومية مسألة الوطن اللبناني ودولته؟ يمكن البدء بالخطاب اليساري، ممثلاً بالحزب الشيوعي اللبناني حتى اليوم، وبمنظمة العمل الشيوعي قبل مراجعتها النقدية لتجربتها، وانطلاقها لاحقاً برؤيةٍ وتوجهاتٍ سياسية جديدة تحت اسم منظمة العمل اليساري الديمقراطي العلماني.

منذ تأسيسه عام 1924، ركّز الحزب الشيوعي اللبناني في تحديد مهامه النضالية على إنهاء الانتداب الفرنسي عن لبنان (وسوريا)، والسعي إلى بناء مجتمعٍ اشتراكي تنتفي فيه أشكال الاستغلال الطبقي وتسود فيه المساواة بين أفراده. ومع انتهاء الانتداب عام 1943، وحتى أواخر الستينيات ـ ولا سيما بعد المؤتمر الثاني للحزب وانفصاله الكامل عن الحزب الشيوعي السوري عام 1964 ـ ظلّ خطابه متمحوراً حول مناهضة النفوذ الاستعماري، المباشر وغير المباشر، في لبنان وخارجه، إلى جانب انخراطه في الدفاع عن مصالح العمال والفلاحين، والمطالبة بتحسين شروط العمل، ورفع الأجور، وتقليص ساعات العمل.

وشكّل عام 1969 محطة مفصلية في مسار الحزب، ليس فقط على صعيد تجديد قيادته، بل أيضاً من خلال تعميق التزامه بالقضية الفلسطينية، وتبنّيه خيار الكفاح المسلح لتحرير فلسطين، بدلاً من التعويل على الأنظمة «الوطنية والقومية» التي كشفت هزيمة عام 1967 محدودية قدرتها على المواجهة.

وقد مثّلت تلك الهزيمة نقطة تحوّل أوسع طالت مجمل الحركات القومية، وأسهمت في بروز تيارات يسارية أكثر راديكالية من الحزب الشيوعي. وفي هذا السياق، برزت «منظمة العمل الشيوعي» كإحدى أبرز هذه التعبيرات في لبنان، حيث لعبت دوراً محورياً في قيادة الحركة الوطنية اللبنانية خلال مرحلتي 1975 و1986. وتميّزت المنظمة بتقديم قراءة ماركسية معمّقة للمجتمع اللبناني، بوصفه مجتمعاً طبقياً تعجز فيه «البرجوازية الوطنية» عن إنجاز مهام التحرر من هيمنة الرأسمالية العالمية (الإمبريالية). وبناءً على ذلك، أسندت هذه المهمة التاريخية إلى تحالف العمال والفلاحين، بقيادة حزب ماركسي طليعي، مدعوماً بفئات من الطبقة الوسطى.

وفي صلب المهام التي رأت المنظمة أن الرأسمالية اللبنانية أخفقت في تحقيقها، برزت مسألتا إلغاء البنية السياسية للإقطاع—أو ما سمّته «الإقطاع السياسي»—وإلغاء النظام الطائفي. واعتبرت أن تحقيق هذين الهدفين لا يمكن أن يتم إلا عبر التحالف الطبقي بين العمال والفلاحين والفئات الوطنية من الطبقة الوسطى (موظفين، حرفين، أصحاب رساميل صغيرة، مثقفين، إلخ) بقيادة الحزب الماركسي الطليعي، نظراً للعجز البنيوي للطبقة الرأسمالية اللبنانية، ذات الطابع التجاري والمصرفي الطاغي، عن الاضطلاع بهكذا مهام.

وعلى هذا الأساس، قدّمت المنظمة ـ خلافاً لأدبيات الحزب الشيوعي ـ تحليلاً مادياً وتاريخياً أكثر تركيباً للبنية الطبقية والسلطة السياسية في لبنان، وهو ما كان يمكن، نظرياً، أن يفتح الباب أمام إدراج مسألة بناء الوطن والدولة الحديثة كإطار ضروري لتنظيم العلاقات الطبقية وتطويرها باتجاه تحقيق العدالة الاجتماعية.

إلا أن هذا الوعي النظري، على أهميته، لم يترجم إلى ممارسة سياسية منسجمة مع مقتضياته. فعلى الرغم من إدراج مطلب إلغاء الطائفية السياسية ضمن برنامج الحركة الوطنية اللبنانية، جاء سلوك أطرافها ـ بما فيها الحزب الشيوعي ومنظمة العمل الشيوعي ـ مناقضاً في كثير من الأحيان لهذا الهدف. وقد كان الأمين العام للمنظمة، محسن إبراهيم، من أوائل الذين أجروا مراجعة نقدية لهذه التجربة، مشيراً إلى خطأين أساسيين كانت لهما تداعيات جسيمة على الحركة الوطنية والبلد:

“الخطأ الأول: إننا في معرض دعم نضال الشعب الفلسطيني ذهبنا بعيداً في تحميل لبنان من الأعباء المسلحة للقضية الفلسطينية فوق ما يحتمل…
والخطأ الثاني: إننا استسهلنا ركوب سفينة الحرب الأهلية تحت وهم اختصار الطريق إلى التغيير الديموقراطي…”

يمكن، في سياق الخطأ الأول، إضافة أن تحميل لبنان أعباءً تفوق قدرته ارتبط بتغييب أولوية المصلحة الوطنية اللبنانية، أو على الأقل التقليل من شأنها، لصالح رؤية قومية عربية ذات طابع رومانسي سادت لدى قوى يسارية وقومية متعددة. وقد تعزّز هذا التوجه أيضاً بفعل ديناميات الانقسام الطائفي الداخلي، التي تدفع الأطراف المتنازعة إلى الاستقواء بالخارج.

أما الرهان على الانقسام الأهلي كمدخل للتغيير الديموقراطي، فقد أثبت محدوديته، إذ إنه لم يؤدِّ إلا إلى تعزيز التماسك الداخلي للجماعات الطائفية المستهدفة، وإعادة إنتاج الانقسامات، فضلاً عن انكفاء القواعد الشعبية-التي لم تكن قد تجاوزت انتماءاتها الأهلية ـ عن دعم قوى الحركة الوطنية عند تراجعها.

وهكذا، فإن تغليب القضية الفلسطينية على المصلحة الوطنية اللبنانية، بالتوازي مع الانخراط في الصراعات الأهلية، أفضى إلى نتائج مزدوجة: تعطيل مشروع التغيير الديموقراطي من جهة، وانفصال القوى اليسارية عن قاعدتها الاجتماعية من جهة أخرى، بما ساهم في تفكيك النسيج الوطني وإعاقة تبلور إطار وطني جامع تنتظم ضمنه الصراعات الطبقية.

انطلاقاً من ذلك، يبدو أن تلازم النضال الوطني والنضال الاجتماعي-الطبقي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر إعطاء الأولوية، في الحالة اللبنانية، لمهمة الانتقال بالمجتمع اللبناني من بنيته الأهلية-الطائفية إلى أفق مجتمع وطني حديث. فهذه البنى التقليدية لا تزال تعيق قيام الدولة وترسيخ المواطنة منذ نشأة الكيان اللبناني عام 1920. غير أن الإقرار بهذه الأولوية لا يلغي أهمية النضال المطلبي والنقابي، ولا الانخراط في قضايا الشعوب العربية، بل يفرض إعادة تأطيرها ضمن مشروع واضح يستهدف تجاوز البنى الأهلية وبناء دولة ديموقراطية حديثة، تقوم على مواطنين متساوين في الحقوق والواجبات.