سابين عويس

 

 

لا تخفي إسرائيل منذ اعلانها الحرب على حزب الله وسلاحه

أهدافها الرامية بوضوح إلى القضاء على كل ما ومن يهدد أمنها في المستوطنات الشمالية كما في العمق الإسرائيلي، بعدما بدأ الحزب استعمال الصواريخ البعيدة المدى. وهي لهذه الغاية، لم تعد تكتفي بإقامة منطقة عازلة لعشرة كيلومترات، أو حتى 15، بل تذهب في توغلها إلى عمق الجنوب، تاركة تحديد المساحة لما تكتشفه من مستودعات ومراكز أسلحة ووجود للحزب، في سياق تفريغها المنطقة العازلة من أي حضور مسلح مهدد لأمنها.

 

في هذا الاحتلال الجديد الذي يعيد إلى الذاكرة الاحتلالات الإسرائيلية السابقة على مر التاريخ، لا يدفع أبناء الجنوب الشيعة وحدهم ثمن النزوح طمعاً بالأمان، ولو على حساب خسارة الأرزاق والممتلكات، بل أيضاً القرى المسيحية الحدودية التي تواجه اليوم معركة وجودها على الخريطة، وإصرارها على التمسك بهذا الوجود وحيدة من دون حماية أو رعاية من الدولة، التي في إطار انسحاباتها التكتية ضمن ما تسميه قيادة الجيش عمليات إعادة الانتشار، قررت الانسحاب من هذه القرى وتركها لمصيرها، في خطوة ترجمت فيها قرار الدولة، خلافاً لالتزاماتها ومسؤوليتها في حماية شعبها، بإخلاء الساحة أمام إسرائيل تحت عنوان تفادي المواجهة مع الجيش الإسرائيلي.

 

وقد جاء البيان التوضيحي لقيادة الجيش ليؤكد الواقع الجديد بكشفه أن “وحداته موجودة في مناطق تشهد توغلاً معادياً في محيط البلدات الجنوبية الحدودية، ما يؤدي إلى محاصرتها وعزلها وقطع خطوط إمدادها. هذا الواقع دفع الجيش إلى تنفيذ عملية إعادة تموضع وانتشار”، مع الإشارة إلى “مواصلة القيادة الوقوف إلى جانب الأهالي من خلال الإبقاء على مجموعة من العسكريين في تلك البلدات”. ويأتي بيان القيادة للرد على ما وصفته “التحريض والتشكيك في دور المؤسسة العسكرية وما يسببه ذلك من توتر”.

 

يدرك الجيش كما الدولة أن المراكز التي أخليت في مناطق دبل وعين إبل ورميش والطيري وبيت ياحون في القطاع الأوسط هي مراكز استراتيجية وتاريخية على خط المواجهة، وتمثل نقاط ارتكاز حساسة، وإخلاؤها يعني عملياً رفع الغطاء العسكري الرسمي عن هذه الجبهة. وقد أتى غداة تعرض الوحدة الإندونيسية في القوة الدولية لاستهداف أدى إلى مقتل 3 من عناصرها، واستدعى للمرة الأولى منذ بدء الحرب على لبنان انعقاد جلسة طارئة لمجلس الأمن بطلب فرنسي لعرض الوضع في الجنوب.

 

شكلت عملية انسحاب الجيش من مواقعه الحدودية، الإشارة التي يخشاها الجميع، حتى لو كانت تحت عنوان تراجع تكتي لحماية الأرواح، لأنه بدا بمثابة إعلان ضمني أن المنطقة أصبحت ساحة معركة مفتوحة لا مكان فيها للجيش أو للشرعية. والخشية اليوم من تكرار تجارب سابقة، فيكون إخلاء الجيش مواقعه مقدمة لتوسع العمليات البرية بعدما أصبحت المنطقة مكشوفة تماماً أمام إسرائيل، ما قد يعبّد الطريق أمام الاجتياح الشامل الذي تلوّح به تل أبيب، لا سيما أن توقيت الانسحاب لا يفهمه أبناء المنطقة على أنه يرمي إلى تجنب مواجهة غير متكافئة بين الجيش اللبناني والجيش الإسرائيلي، بل يرونه تنصلاً للدولة من مسؤولياتها حتى في معركة غير متكافئة تكرّس سردية الحزب بالمقاومة بسبب ضعف الشرعية، وتقضي على أي فرصة للمؤسسة العسكرية للقيام بدورها في تنفيذ قرارات السلطة الشرعية بحصر السلاح والانتشار، بعدما تراجعت عن عملية الانتشار لنحو 10 آلاف جندي تنفيذاً لتلك القرارات.

 

مخاوف القرى الحدودية مبررة بعد التجارب المريرة السابقة التي عاشتها نتيجة احتلال إسرائيل لها، وأهمها اجتياح عام 1978، وكان الهدف يومها إبعاد الفصائل الفلسطينية عن الحدود. وبرغم انسحابها الجزئي، أبقت وجوداً غير مباشر عبر إنشاء “جيش لبنان الجنوبي”. وجاء الاجتياح الأكبر الثاني عام 1982، إذ وصل إلى بيروت. وحتى بعد انسحابها من معظم المناطق، أبقت سيطرتها على الجنوب في ما عُرف بالشريط الحدودي، حتى عام 2000. وبقيت قرى مثل بنت حبيل ومرجعيون والخيام تحت الاحتلال لفترة طويلة، حيث عانى أهالي المناطق المحتلة قيوداً على تحركاتهم أو على الحواجز العسكرية، فضلاً عن مواجهات مستمرة بفعل عمليات مقاومة انتهت عام 2000 بالانسحاب الكامل، باستثناء مزارع شبعا المختلف عليها أساساً.

 

اليوم يتكرر المشهد عينه وربما في شكل أخطر، لأن إسرائيل لم تعد تكتفي بإضعاف الحزب أو استهداف مناطقه. وما يقلق أهل القرى الحدودية يكمن في الغموض الذي يكتنف القرار السياسي بسحب الجيش وما إذا كانت الدولة قد قررت فعلاً غض الطرف عن عملية الفرز السكاني الحاصلة في الجنوب، وما ستؤول إليه في غياب المبادرات السياسية لوقف الحرب.