كلمة رئيس تحرير التلغراف التي القيت مساء الثلاثاء في لقاء الأديان بمناسبة عيد البشارة في بيت مارون في سدني بحضور قادة الاديان من كل الطؤائف وفاعليات سياسة واجتماعية:

 

“طوبى لصانعي السلام لأنهم أبناء الله يُدعون” (متى 9:5)

“سلاماً أترك لكم سلامي أعطيكم” (يوحنا14:27)

وردت كلمة السلام 100 مرة في العهد الجديد.

كما وردت عشرات المرات في الكتب الدينية الأخرى.

أيها الأصدقاء

إذا إدرنا محرّك البحث غوغل وسألناه عن معنى السلام ، يقول:” مفهوم السلام يعني حالة من الطمأنينة والاستقرار وغياب العنف أو النزاع بين الأفراد أو المجتمعات أو الدول. وهو من القيم الإنسانية الأساسية التي يسعى الناس إلى تحقيقها للحفاظ على حياة آمنة ومستقرة. ✨

فالسلام في الكتب المقدسة ولدى الانبياء والرسل هو سلام النفس، سلام المحبة والانفتاح والتسامح والمصالحة مع الذات وليس سلاماً بين متخاصمين.

يرى القديس اغسطينوس ان السلام هو ان تتصالح النفس مع الله، وان السلام الاجتماعي يقوم على العدالة والمحبة  والاحترام المتبادل.

 

السلام إذن هو صناعة الله، أما الحرب فهي صناعة البشر، و ما صنعه الله لا يستطيع الإنسان أن يُخضعه للقوننة.

للأسف تحوّل السلام الى قانون وضعي يطبّقه البشر بصورة استنسابية تتناغم مع مصالحهم وصار جزءاً من سياسة الشعوب؟.

يمنحون جائزة نوبل للسلام لغير أهلها، لأناس يتحدثون عن السلام ويكثرون من عمل الشرّ؟.

 

لهذه الأسباب ، نحن هنا اليوم لنعود الى النكهة واللون الحقيقيين للسلام الذي خلقه الله فينا، لنشد على يد المطران انطوان شربل طربيه الذي يحاول إعادتنا الى سكّة السلام الصحيحة، سلام جبريل للسيدة مريم.

في السنوات الماضية، كنا نحتفل بهذه المناسبة التي أطلقها المطران طربيه على أنها مناسبة دينية ووطنية عادية، لكن هذا المساء لمسنا أهمية إحيائها، وجئنا نقطف ثمارها مع الكرّام الذي سهر على كرمه وجاء اليوم يُشركنا بموسم حصاده..

نحن الأثنيين الآتين من الشرق الأوسط ، المجموعين هنا اليوم، نجد مناسبة عيد البشارة هذا العام ملحة اكثر من سابقاتها، لا بل ومطلوبة بإلحاح ، لقد فُرض على معظمنا وللأسف،  العيش في زمن نحتاج فيه الى إحياء  مفهوم السلام مجددا وضخ معانيه في النفوس وفي الطقوس، وربما تكون هذه المناسبة مساحة لإنعاش السلام في نفوسنا، لأن الأحداث المتعاقبة في أوطاننا جعلتنا نفهم كلمة السلام على انها عكس كلمة الحرب وهي ليست كذلك أصلاً.

أيها الأصدقاء، ما شهدته أستراليا مؤخراً بين معاداة السامية والاسلاموفوبيا وتغييرات غير مألوفة طرأت على المجتمع، هي مناشدة لنا لتحصين السلام في نفوسنا لننطلق به الى الآخر.

فيوم قال الملاك جبرائيل للعذراء مريم “السلام عليك” لم يكن في حالة حرب مع أحد، وعندما نلقي نحن التحية على الآخر ونقول :السلام معكم أو السلام عليكم أو السلام لكم، هذ لا يعني أننا نعيش جدلية الحرب أو العنف أو الخصومة، لأن السلام ينطلق من النفس البشرية وحسْب.

اليوم، ونحن نشاهد المعاول تعمل على هدم جدران السلام في العالم، نسأل:

أين هو سلام المسيحية المرتبط بالمحبة والغفران والذي هو عطيّة الهية؟

أين هو سلام الاسلام الذي هو أحد الأهداف الأساسية للدين؟

أين هو سلام اليهودية الذي هو انسجام مع الله والمجتمع؟

وأين سلام البوذية  القائم على التأمل والحكمة ؟

أين هو سلام الهندوسية المرتبط بالتوازن الروحي؟

فالسلام اليوم يوجعنا، يفتّش عن طبيب، وكل طبيب يشخّصه على هواه ولا دواء شافياً حتى اليوم؟!.

وبعيداًعن سلام الكتب الدينية ، نتوجه الى سلام العلمانيين لنجد ان المهاتما غاندي يرى  في السلام قوة فعّالة للتغيير، وأن الإنسان يمكنه مواجهة الظلم وتحقيق العدالة دون اللجوء إلى العنف. لذلك أصبح رمزًا عالميًا للسلام والنضال الأخلاقي.

وأثّر فكر غاندي في العديد من قادة السلام في العالم، مثل:

  • مارتن لوثر كينغ جونيور في حركة الحقوق المدنية في الولايات المتحدة.
  • نيلسون مانديلا في نضاله ضد نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.

ختاماً أيها الأصدقاء، سنبقى نلتف حول سلام البشارة ، وسنبقى نعمل على زرع الأسلوب الغاندي فيما بيننا .

وكم نحن بحاجة الى أمثال المطران  أنطوان شربل طربيه في كل بيئة، والى جنود  مثلكم يتحلّقون حوله.