لطالما كانت الجغرافيا هي الحليف الأكبر لأستراليا؛ مساحات شاسعة من المحيطات فصلتها عن بؤر الصراع العالمي، ومنحتها ميزة “الملاذ الآمن” التي جعلت منها قاعدة انطلاق استراتيجية للولايات المتحدة ومنطقة خلفية هادئة لإعادة التموضع والتدريب. لكن هذا “الدرع الجغرافي” بدأ يتآكل بسرعة مع دخولنا ما يمكن تسميته “عصر الصواريخ الجديد”.

من النووي إلى الدقيق: تحول قواعد اللعبة

لم يعد الرعب محصوراً في الرؤوس النووية التي ميزت حقبة الحرب الباردة، بل انتقل القلق اليوم إلى الصواريخ الباليستية العابرة للقارات المزودة بـ رؤوس تقليدية شديدة الدقة. ما حدث مؤخراً من محاولات إيرانية لاستهداف قواعد بعيدة، وما نراه من تطوير الصين لصاروخها الجديد (DF-27)، يثبت أن المسافات الشاسعة لم تعد عائقاً أمام الخصوم.

بالنسبة لأستراليا، هذا ليس مجرد تطور تقني، بل هو تهديد مباشر لمرافق حيوية مثل “باين غاب” (Pine Gap) أو مراكز الاتصالات البحرية، وهي مواقع تشكل عصب النشاط العسكري الأمريكي في المنطقة. فكرة أن “الصاروخ سيصل حتماً” أصبحت كابوساً يؤرق صناع القرار في كانبرا.

الجغرافيا مقابل اللوجستيات: حين يختفي “الملاذ”

هناك مقولة عسكرية شهيرة تقول: “المشاة يكسبون المعارك، لكن اللوجستيات تكسب الحروب”. قوة أستراليا كانت تكمن في كونها “منطقة خلفية” آمنة تسمح ببناء القوة بعيداً عن نيران العدو. ظهور الصواريخ القادرة على ضرب العمق الأسترالي بدقة جراحية يعني:

  1. فقدان الحصانة: لم تعد القواعد الأسترالية بعيدة عن المنال.

  2. سلاح الابتزاز: تمتلك الصين الآن أداة ضغط تفوق في تأثيرها “الحروب الاقتصادية” الفاشلة، حيث يمكنها تهديد الأراضي الأسترالية بشكل مباشر ومنفرد دون التأثير على خطوط التجارة العالمية العامة.

الحلف القائم على “المنفعة” لا “المبادئ”

علينا أن نكون صريحين: التحالفات الدولية، بما فيها “أنزوس” (ANZUS)، لا تقوم على الرومانسية السياسية أو القيم الديمقراطية المشتركة فقط، بل تقوم على القيمة الاستراتيجية. كانت قيمة أستراليا لواشنطن تنبع من كونها “الحصن البعيد والآمن”. إذا نجحت التكنولوجيا الصاروخية في تحويل هذا الحصن إلى ساحة مكشوفة، فإن الأساس الذي قام عليه التحالف لعقود سيهتز. فإذا تلاشت الميزة الجغرافية، قد تعيد الولايات المتحدة حسابات جدوى انتشارها العسكري المكثف هناك.

 أستراليا اليوم أمام واقع جيوسياسي جديد؛ فالمحيطات التي كانت تحميها لقرون، بدأت “تتقلص” بفعل سرعة ودقة الصواريخ الحديثة، مما يفرض ضرورة إعادة صياغة العقيدة الدفاعية بما يتجاوز مجرد الاعتماد على الموقع الجغرافي.