بينما كان سكان شمال أستراليا يراقبون الأفق، أعلن الإعصار “ناريل” عن نفسه كقوة تدميرية هائلة. وبحلول يوم الخميس (19 مارس)، اشتد هذا النظام الجوي ليصبح إعصاراً من الفئة الخامسة فوق بحر المرجان، مدفوعاً بحرارة مياه قياسية ناتجة عن التلوث المناخي الذي لم يعد خافياً على أحد.
ساعة الصفر والدمار المتوقع
من المتوقع أن يضرب “ناريل” ساحل أقصى شمال كوينزلاند صباح الجمعة (20 مارس)، وتحديداً في المنطقة الواقعة بين “لوكهارت ريفر” و”كيب ملفيل”. نحن نتحدث عن رياح قد تصل سرعتها إلى 260 كم/ساعة، وهي سرعة كفيلة باقتلاع الأشجار وهدم المباني. ما يزيد الطين بلة هو أن الأرض مشبعة بالفعل بمياه الأمطار السابقة، مما يجعل خطر الفيضانات الكارثية يلوح في الأفق مع كل قطرة مطر جديدة.
لماذا فقدت المحيطات صوابها؟
القصة ليست في الرياح فقط، بل في المحرك الذي يشغلها. المحيطات تمتص حوالي 93% من الحرارة الزائدة الناتجة عن التلوث، وبحر المرجان تحديداً يعيش حالة “غليان” غير مسبوقة؛ فقد سجل صيف (2025-2026) أعلى درجات حرارة في تاريخه.
تخيل أن الطاقة التي نضخها في المحيطات سنوياً تعادل انفجار خمس قنابل ذرية كل ثانية! هذه الطاقة هي “الوقود” الذي يجعل أعاصير اليوم أكثر عنفاً، وأكثر غزارة في الأمطار، حيث تزداد شدة الهطول بنسبة تصل إلى 28% مع كل درجة حرارة إضافية.
كوينزلاند: في عين العاصفة دائماً
لم تعد كوينزلاند مجرد “ولاية الشمس المشرقة”، بل أصبحت الخط الأمامي للمواجهة مع الكوارث المناخية. منذ ديسمبر 2025، اضطر أكثر من نصف البلديات في الولاية لطلب تمويلات الإغاثة من الكوارث.
-
يناير 2026: شهدنا نفوق أكثر من 100 ألف رأس من الماشية بسبب التقلبات الحادة.
-
فبراير 2026: سجلت درجات حرارة مرعبة وصلت إلى 49 درجة مئوية.
-
مارس 2026: هطلت أمطار عام كامل في غضون أسبوع واحد في بعض المناطق.
لم يعد هناك مجال للصدفة
إن ما نراه اليوم مع “ناريل”، وما سبقه من أعاصير مثل “ياسي” و”جاسبر”، يثبت أن القواعد القديمة للطقس قد كُتبت من جديد. الأعاصير أصبحت تتحرك ببطء أكثر، تحمل مياهاً أكثر، وتضرب مناطق لم تكن تعتاد هذه القوة التدميرية.
الرسالة واضحة: الاستمرار في الاعتماد على الوقود الأحفوري هو بمثابة صب الزيت على نار هذه العواصف. التقييمات الوطنية لمخاطر المناخ تحذر من “كوارث متتالية” لن تترك للمجتمعات وقتاً لالتقاط الأنفاس ما لم نتحرك لخفض الانبعاثات بشكل حاد وسريع.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

