وجع ساعة ولا

 وجع كل ساعة!

د.خالد جمال

أكتب هذا المقال وأنا جالس في شرفة بيت عمي في بخعون الهادئة الوادعة، المستكينة لبعض الريح تجول في جنباتها. من هنا أستطيع أن أرى البحر، ولا أستطيع أن أرى مدينتي الحبيبة طرابلس، يحجب الرؤية جبل تربل. ولا أدري لماذا تذكرت الخليفة عمر بن الخطاب الذي تمنى أن يكون بين العرب وبلاد فارس جبل من نار، فلا يعبرون إلينا ولا نعبر إليهم. ولكنهم فعلوها بكل حقد وبكل بغض وبكل ضغينة.

منذ الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، انهالت الصواريخ الباليستية والمسيّرات على دول مجلس التعاون الخليجي، ولم تستثنِ أحداً منهم. وكأن الإيرانيين كانوا ينتظرون هذه اللحظة ليعبّروا عن مشاعرهم العميقة تجاه دول الخليج العربي. وغير صحيح أنهم ما كانوا ليفعلوا ذلك لولا الهجوم، فهم لم يوفّروا أحداً من العرب في العراق وسوريا ولبنان واليمن. فهل كانوا سيمتنعون عن ذلك مع عرب الخليج أبداً؟ بل إنهم يحقدون عليهم ويحسدونهم ويتمنون لهم الخراب. لم يستطيعوا أن يستوعبوا هذه النهضة الاقتصادية العظيمة على الطرف الآخر من الخليج العربي، لم يستطيعوا أن يتقبّلوا المهرجانات والاحتفالات والازدهار والنمو والتطور، لم يستطيعوا أن يهضموا موقعهم الكوني وقيمتهم العالمية.

تسألون: كيف استطاعت دولة مثل قطر أن تقيم المونديال على أرضها الصغيرة؟ كيف تستطيع إمارة مثل دبي أن تقيم إكسبو 2020؟ كيف تملك دولة الكويت صندوقاً سيادياً ليس له شبيه؟ وكيف للبحرين هذه السباقات من فورمولا وان وغيرها؟ وكيف لعمان هذه الطمأنينة والهدوء؟ وأخيراً وليس آخراً، كيف للمملكة العربية السعودية أن تحتضن العالم الإسلامي وتقوده إلى خيار السلام والمحبة، كيف لها أن توقف الحروب وتدعم الاستقرار والثبات في الجوار وفي العالم؟

لم يستطع الإيرانيون من أتباع المرشد الذي يظن أنه ولي الله على الأرض أن يستوعبوا كل هذا. فلما ظنوا أنه لا مخرج لهم، وحسبوا أن الضربة قاصمة لا محالة، أظهروا حقدهم وبغضهم. وإلا كيف نفسّر أن تكون الصواريخ والمسيّرات على الخليج ثلاثة أضعاف ما تضرب به إسرائيل؟

ودول مجلس التعاون الخليجي كانت تعلم بأن هذا اليوم آتٍ. لقد رأت بأم عينها ما فعلته إيران في المحيط، وسمعت أقوالهم وشهدت أفعالهم، وحاولت بكل جهدها الدبلوماسي مع إيران أولاً ومع دول العالم القوية ثانياً، وحاولت بكل عزم وإصرار أن تتجنب الحرب التي لا تؤدي إلا إلى الأذى والضرر، وهي صاحبة نعمة وخير. ولكن دول الخليج أيضاً استعدت لهذه اللحظة سياسياً وأمنياً وعسكرياً، فجهّزت قواتها وعقدت التحالفات اللازمة، وبنَت شبكة من العلاقات مع الشرق والغرب، من الولايات المتحدة إلى المملكة المتحدة إلى فرنسا وروسيا والصين، وحاولت قدر الإمكان تجنّب الحرب.

لكن إيران كانت مصرّة على تنفيذ نواياها السيئة أصلاً، ومستمرة فيها. ليس لإيران حلفاء ولا داعمون إلا مجموعة العصائب التابعة لها عقائدياً. أما الدول فهي تعرف طبيعتها ونواياها، ولا مفر من معالجة هذا الأمر عسكرياً بعد أن فشلت كل أساليب الدبلوماسية. يجب ألّا تنتهي هذه الحرب إلا بهزيمة واضحة لمشاريع إيران العدوانية. مهما كان الوجع، فوجع ساعة خير من وجع كل ساعة.