يبدو أن الساحة الرقمية في أستراليا بدأت تدخل مرحلة “الغليان”، هذا ما كشف عنه أحدث تقرير لشركة “Armis” المتخصصة في الأمن السيبراني. التحذيرات هذه المرة ليست مجرد تخوفات عابرة، بل هي جرس إنذار حقيقي للمؤسسات الأسترالية بضرورة التحول من “رد الفعل” إلى “المبادرة” لمواجهة موجة غير مسبوقة من الحروب السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي.
أرقام تضع أستراليا في “عين العاصفة”
المقلق في التقرير هو تصدّر أستراليا قائمة الدول الأكثر إبلاغاً عن تعرضها لهجمات تندرج تحت بند “الحروب السيبرانية”. فقد قفزت نسبة المؤسسات التي أبلغت السلطات عن هذه الهجمات من 56% إلى 72% خلال عام واحد فقط، وهي النسبة الأعلى عالمياً.
لكن الصدمة الحقيقية تكمن في حجم الخسائر؛ فمتوسط فدية الهجمات الإلكترونية (Ransomware) في أستراليا تضاعف تقريباً ليصل إلى أكثر من 15.3 مليون دولار أمريكي في عام 2025، مقارنة بـ 8.6 مليون دولار في العام السابق. هذا الرقم يتجاوز في كثير من الأحيان الميزانية السنوية المخصصة للأمن السيبراني لدى الشركات المتضررة، مما يضعها في مأزق مالي وأمني حاد.
الذكاء الاصطناعي: السلاح ذو الحدين
يشعر صنّاع القرار في قطاع تكنولوجيا المعلومات في أستراليا بقلق متزايد (بنسبة 81%) من قدرة الدول المعادية على استخدام الذكاء الاصطناعي لشن هجمات معقدة وموجهة بدقة. ويرى الخبراء أن “الذكاء الاصطناعي التوليدي” بدأ بالفعل في تغيير موازين القوى السياسية، حيث مكن دولاً صغيرة من امتلاك قدرات هجومية تضاهي القوى العظمى.
“نحن نعيش حالة من تصادم التوترات الجيوسياسية مع التسارع المرعب في تقنيات الذكاء الاصطناعي، وهذا ما يوصلنا إلى نقطة الانفجار في الحروب السيبرانية.”
— نادير إسرائيل، المؤسس المشارك لشركة Armis.
فجوة الاستعداد: تفاؤل في غير محله؟
رغم هذه المخاطر، هناك تناقض غريب في العقلية المؤسسية؛ حيث يعتقد 62% من المسؤولين في أستراليا أن مؤسساتهم لن تكون هدفاً مباشراً لهجمات تقودها دول، وهو نوع من “الأمان الزائف” الذي يجعل الأنظمة عرضة للاختراق. والأدهى من ذلك، أن نحو 59% من الشركات التي تعرضت للاختراق سابقاً تعترف بأن أنظمتها لا تزال غير مؤمنة بشكل كافٍ حتى بعد وقوع الهجوم.
كما أشار “زاك مينيجازي”، الخبير الأمني في Armis، إلى أن الأساليب التقليدية في الدفاع لم تعد تجدي نفعاً، واصفاً إياها بأنها أصبحت “عفا عليها الزمن” أمام التهديدات التي تستهدف سلاسل التوريد والأجهزة غير المدارة التي لا تلتقطها أدوات الحماية العادية.
بصيص أمل وثقة حكومية
على الرغم من قتامة المشهد، أظهر التقرير جانباً إيجابياً يتمثل في ثقة الأستراليين (بنسبة 70%) في قدرة حكومتهم على حماية المواطنين والشركات من تداعيات الحروب السيبرانية. كما يؤمن الكثيرون بمبدأ “الارتباك المتبادل المضمون” كعامل ردع، على اعتبار أن الجميع يمتلك ثغرات قد تؤدي لانهيار رقمي شامل إذا ما اندلعت حرب سيبرانية مفتوحة.
أستراليا اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في سياسة “الانتظار ثم الاستجابة”، أو تبني استراتيجية هجومية استباقية تسد الثغرات قبل أن يجدها الذكاء الاصطناعي المعادي.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

