في هدوء تام وبعيداً عن الأضواء، أصدرت الحكومة الأسترالية مؤخراً تقريرها السابع لاتفاقية الأمم المتحدة للتنوع البيولوجي، وهو بمثابة “كشف حساب” ذاتي لمدى تقدمنا في حماية الحياة البرية والنباتات الفريدة التي تلاشت أو أوشكت على التلاشي. المثير للدهشة ليس التقرير بحد ذاته، بل تلك النبرة المتفائلة التي صبغت بها الحكومة أداءها، مانحةً نفسها درجات مرتفعة وكأن كل شيء يسير على ما يرام.

لكن، عند التدقيق في التفاصيل خلف هذه الأرقام البراقة، نجد واقعاً مغايراً تماماً. يبدو أن الحكومة استبدلت “الإنجاز الفعلي” بـ “النوايا الحسنة”، واعتبرت الوعود بمثابة انتصارات محققة. الحقيقة المرة هي أن أنظمتنا البيئية لا تزال تتدهور، وأنواعاً نادرة تنزلق نحو الانقراض، بينما تتدفق المليارات بصمت لدعم الوقود الأحفوري—وهو المحرك الأول للدمار الذي تزعم الحكومة أنها تحاربه.

إليك القصة الحقيقية خلف أربعة ملفات شائكة كشفها التقرير:

1. وهم الترميم: فجوة المليارات

بينما يطالب “الإطار العالمي للتنوع البيولوجي” بترميم 30% من الأنظمة البيئية المتضررة بحلول 2030، نجد أن الحكومة الأسترالية تعترف ضمناً بالفشل هنا، لكنها لا تملك الشجاعة لتحديد حجم التأخر. التقرير يتحدث عن مئات الملايين التي تُنفق، بينما تؤكد الأبحاث المستقلة أننا بحاجة لمليارات الدولارات سنوياً لإنقاذ الغابات والمياه العذبة والشواطئ. الصمت عن حجم الفجوة لا يعني أنها غير موجودة.

2. لعبة الأرقام في المحميات

تتفاخر الحكومة بأنها “على المسار الصحيح” لحماية 30% من اليابسة والبحر. الأرقام تقول إننا تجاوزنا الهدف في المحيطات (52%)، لكن هذا “نصر ورقي”. الحماية الحقيقية (المناطق التي يُمنع فيها الصيد تماماً) لا تشمل سوى 24%، كما أن العديد من الأنظمة الهامة مثل غابات الأعشاب البحرية في الجنوب لا تزال مهملة. توزيع المحميات يفتقر للتنوع البيولوجي الحقيقي؛ فما فائدة حماية مساحات شاسعة من الصحراء أو المياه العميقة بينما تموت الشعاب المرجانية والغابات المطيرة؟

3. الانقراض: هل ننتظر حتى يختفي الجميع؟

تدعي الحكومة أنها منعت حدوث حالات انقراض جديدة منذ عام 2022. هذا “فخر” يثير السخرية المريرة؛ فأستراليا تتصدر العالم بالفعل في فقدان الثدييات بـ 38 نوعاً ضائعاً منذ الاستعمار. أن تضع الحكومة “عدم حدوث انقراض حالياً” كمعيار للنجاح هو سقف طموحات منخفض جداً، ولا يعكس الانهيار الصامت الذي تعاني منه مئات الأنواع التي تتناقص أعدادها يومياً دون أن تُسجل كـ “منقرضة” بعد.

4. التناقض الصارخ: دعم الدمار بـ 26 ملياراً

النقطة الأكثر إثارة للغضب هي “المناورة المحاسبية” في التقرير. استبعدت الحكومة عمداً دعم الوقود الأحفوري من قائمة الإعانات الضارة بالطبيعة. الأرقام المستقلة تكشف أن الحكومة تنفق 26.3 مليار دولار سنوياً على أنشطة تدمر البيئة، مقابل أقل من مليار واحد فقط لحمايتها. المعادلة بسيطة وصادمة: نحن نمول التدمير بأكثر من 26 ضعف ما ننفقه على الإصلاح.

الخلاصة: نحن بحاجة إلى صدق.. لا إلى “بروباغندا”

تحتاج أستراليا إلى أكثر من مجرد قوانين بيئية جديدة أو تقارير ملونة. القوانين التي مُررت في نهاية 2025 هي خطوة جيدة، لكن القانون دون تمويل كافٍ ودون خطة تنفيذ واضحة يظل حبراً على ورق.

المواطن الأسترالي يستحق تقريراً صادقاً يضع النقاط على الحروف، لا وثيقة تخفي العيوب خلف المصطلحات الفنية. إن تجميل الواقع لن ينقذ غابة، ولن يحمي كائناً من الانقراض. لقد حان الوقت لنتوقف عن التصفيق لأنفسنا ونبدأ العمل الشاق فعلياً.