لطالما أثارت السياسة الخارجية الأسترالية تساؤلاً جوهرياً: لماذا تبدو كانبرا وكأنها صدى دائم لواشنطن؟ المتابع للمشهد قد يظن أن أستراليا مجرد “خادم مطيع” للقوى العظمى، لكن التعمق في التاريخ يكشف عن واقع أكثر تعقيداً؛ فأستراليا ليست مجرد ترس في آلة إمبراطورية، بل هي “إمبريالية صغرى” تجيد اللعب على حبال المصالح الكبرى لتعزيز نفوذها الخاص.

مدرسة التضليل السياسي: من منزيس إلى ألبانيزي

التاريخ الأسترالي حافل بلحظات “التحايل” لتبرير الانخراط العسكري. في عام 1965، زعم رئيس الوزراء الليبرالي روبرت منزيس أن إرسال القوات إلى فيتنام جاء تلبية لطلب من حكومة فيتنام الجنوبية. الحقيقة التي كشفت لاحقاً كانت مغايرة؛ منزيس هو من ضغط على سايغون لتقديم ذلك الطلب ليمنحه غطاءً سياسياً أمام الشعب.

هذا النهج لا يبدو غريباً على القيادة الحالية. فبالرغم من الفارق الأيديولوجي، يسير أنتوني ألبانيزي ووزيرة خارجيته بيني وونغ على خطى مشابهة. الدعم غير المشروط للتحركات الأمريكية في الشرق الأوسط، وإرسال طائرات استطلاع “ويدج تيل” بذريعة طلب إماراتي—جاء بعد مكالمة هاتفية فجرية مع البيت الأبيض—يعيد للأذهان ذات المشهد: تبريرات معلبة لقرارات اتُخذت مسبقاً في أروقة التحالف مع واشنطن.

الازدواجية الأسترالية: وكيل أم شريك؟

تحتل أستراليا مكانة فريدة في النظام العالمي، فهي تجمع بين صفتين متناقضين ظاهرياً:

  1. جزء من منظومة أكبر: بدأت كبؤرة استيطانية للإمبراطورية البريطانية، ثم انتقلت بسلاسة لتصبح عقداً أساسياً في “النظام الغربي” الذي تقوده أمريكا.

  2. قوة إقليمية طموحة: تملك أستراليا أجندتها الخاصة وتطلعاتها للهيمنة في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وتستخدم علاقتها بالقوى العظمى كرافعة لتحقيق هذه المصالح.

هذا الوضع يشبه الانضمام إلى “نادي النخبة”؛ العضو يلتزم بالقواعد الصارمة ويدفع رسوم الاشتراك (التي تتمثل هنا في المشاركة في الحروب الأمريكية)، لكنه في المقابل يحصل على امتيازات لا تتوفر لغيره، مثل الوصول إلى أحدث التقنيات العسكرية والمعلومات الاستخباراتية التي لا يمكن لدولة بحجم أستراليا إنتاجها بمفردها.

“فوبيا العزلة” والمحيط الآسيوي

يرى خبراء استراتيجيون أن المحرك الأساسي لهذه التبعية هو “الخوف من الهجر”. فنحن نتحدث عن طبقة حاكمة تدير دولة يسكنها أقل من 30 مليون نسمة، تقع جغرافياً في محيط آسيوي يضم نحو 5 مليارات إنسان. هذا الشعور بأنها “جزيرة غربية في بحر شرقي” دفع كانبرا للبحث عن حارس دولي يضمن بقاء نفوذها.

منذ عهد “ألفرد ديكين” وبدايات القرن العشرين، كانت أستراليا تحاول جذب القوة الأمريكية للمنطقة لموازنة القوى الآسيوية الصاعدة، سواء كانت اليابان قديماً أو الصين حالياً. التحول الكبير حدث في الحرب العالمية الثانية؛ حين سقطت سنغافورة عام 1942، أدركت أستراليا أن بريطانيا لم تعد قادرة على حمايتها، فكان الإعلان الشهير لـ “جون كيرتن”: “أستراليا تتطلع إلى أمريكا”.

المقايضة الكبرى

إن ما يراه البعض “ضعفاً” أو “انبطاحاً” من جانب القادة الأستراليين تجاه واشنطن هو في الواقع “حسابات باردة”.

  • التكامل العسكري: أصبح الجيش الأسترالي “قابلاً للتبادل” مع نظيره الأمريكي في المعدات والبرمجيات والقيادة.

  • الحماية مقابل الولاء: لم ترفض أستراليا طلباً أمريكياً للمشاركة في صراع عسكري منذ الحرب العالمية الأولى، من كوريا وفيتنام وصولاً إلى أفغانستان والعراق.

اليوم، ومع صعود الصين، تعود ذات الهواجس القديمة لتطفو على السطح. وبالرغم من أن أستراليا أصبحت مجتمعاً متعدد الأعراق وأكثر انفتاحاً، إلا أن عقلية الدولة العميقة لا تزال ترى في التحالف مع “الإمبراطورية” الضمانة الوحيدة لعدم ذوبان نفوذها في المحيط الآسيوي.

في النهاية، التبعية الأسترالية ليست قدراً مفروضاً بقدر ما هي خيار استراتيجي. قد يبدو القادة في كانبرا كـ “توابع” لواشنطن، لكنهم في الحقيقة يدفعون هذا الثمن السياسي مقابل الجلوس على طاولة الكبار، وضمان الحصول على قوة عسكرية واستخباراتية تفوق حجمهم الحقيقي بمراحل.