إن قرار الحكومة الأسترالية الأخير بإعادة ضبط بوصلة “الدفاع” في تطوير القدرات وآليات التنفيذ ليس مجرد إجراء إداري، بل هو فرصة طال انتظارها لنقل تركيزنا من “الحاضر المستقر” إلى “المستقبل المضطرب”. فبينما يمنحنا الماضي دروساً قيمة، إلا أن واقعنا الاستراتيجي اليوم يزداد تعقيداً وضغطاً، مما يفرض على الهياكل الدفاعية الجديدة أن تكون أكثر مرونة واستجابة لتحديات لم نعهدها من قبل.
دمج القوى.. هل يكفي لتجاوز عثرات الماضي؟
تتمحور الإصلاحات الجديدة حول إنشاء “وكالة تسليم الدفاع” (Defence Delivery Agency)، وهي كيان يدمج ثلاث منظمات كبرى كانت تعمل بشكل منفصل. هذا التحول هو الأضخم منذ مراجعة “بيفر” عام 2015، ويأتي في وقت تغير فيه العالم جذرياً، مما يستوجب تحديث هذه الوظائف الحيوية لتناسب طموحات أستراليا الاستراتيجية.
لكن، وبالنظر إلى عقود من المحاولات السابقة لتحسين العلاقة بين الدفاع والصناعة، نجد أن النجاح كان حليف المبادرات التي اتسمت بالجرأة، مثل خصخصة أحواض بناء السفن في الثمانينات أو الاستعانة بمصادر خارجية للوظائف غير الأساسية في التسعينات. في المقابل، كانت محاولات إصلاح “الحوكمة” هي العائق الدائم؛ فالتاريخ يذكرنا كيف فشلت تجربة فصل “دعم الدفاع” في إدارة مستقلة عام 1980 لأن “الذيل حاول تحريك الكلب”، مما استدعى إعادة دمجها سريعاً.
الهروب من “تكرار الخطأ” ودروس الجيران
مع اقتراب موعد انطلاق الوكالة الجديدة في يوليو 2027، نحن أمام ضرورة ملحة لاستحضار “الذاكرة المؤسسية”. يجب أن نفهم بدقة لماذا نجحت بعض المراجعات السابقة وفشلت أخرى، بدلاً من إعادة اختراع العجلة أو تكرار نفس الأخطاء.
كما لا ينبغي لأستراليا أن تنغلق على نفسها؛ فنحن لسنا الوحيدين الذين يواجهون معضلات الاستحواذ الدفاعي وتبني التقنيات المعقدة. المقارنة مع قطاعات محلية كالتعدين قد تكون مفيدة، لكنها قاصرة، لأن التعقيد في الشأن الدفاعي لا يشبه أي قطاع آخر. لذا، فإن النظر في تجارب الدول الحليفة التي واجهت تحديات مماثلة سيمنحنا رؤية أعمق وأكثر نضجاً.
ميزان المخاطرة: بين “المضمون” و”الميدان”
هناك فكرة مغلوطة تروج بأن إدارة المخاطر تعني القضاء عليها تماماً. الحقيقة أن السعي وراء شراء معدات “مضمونة ومجربة بنسبة 100%” يعني ببساطة التنازل عن التفوق التكنولوجي. هذا النوع من الحذر الزائد لا يلغي الخطر، بل ينقله من دفاتر المحاسبين إلى “ساحة المعركة”، وهو أسوأ مكان يمكن أن نضع فيه جنودنا أمام خصم يمتلك تقنيات متطورة.
لقد سمحت لنا الظروف الاستراتيجية الهادئة في العقود الخمسة الماضية بترف الاختيار، لكن هذا الترف انتهى. اليوم، يتوجب على عمليات الشراء الجديدة إدارة مستويات أعلى من المخاطر التقنية والتكاليف، لأن البديل هو العجز عن مواجهة التهديدات الحديثة.
السياسة قبل البيروقراطية: من يراقب من؟
إن الانتقادات التي وجهتها “المراجعة الاستراتيجية للدفاع 2023” لم تكن هامشية؛ فحينما تدعو المراجعة إلى “تحويل” الجيش بالكامل وإعادة النظر في أسطول السفن السطحية، فهذا يعني أن هناك خللاً بنيوياً في كيفية اتخاذ القرار.
المشكلة الحقيقية تكمن في ضعف “المراجعة الداخلية”. تاريخياً، كانت قطاعات السياسات في وزارة الدفاع تتمتع بهيبة ومصداقية تجعل مراجعاتها محل احترام من بقية وزارات الدولة. أما اليوم، فهناك شعور سائد بأن القوات المسلحة أصبحت “تصحح أوراق اختبارها بنفسها”.
الخاتمة: الجرأة في التغيير
لكي نمضي قدماً، نحتاج إلى تقوية قطاعات السياسات المركزية في الدفاع ومنحها سلطة حقيقية لخلق نقاش داخلي حاد ومثمر. إن تصريحات وزير الدفاع ريتشارد مارلز بأن “كل شيء مطروح على الطاولة” تعطي بصيص أمل بوجود شهية للإصلاح البيروقراطي الشامل.
إن اختيار السكرتير الجديد للدفاع سيكون المؤشر الحقيقي على مدى جدية هذه التوجهات. أستراليا لا تحتاج فقط إلى منظمات جديدة، بل إلى عقلية جديدة تواجه المستقبل بثقة مبنية على الكفاءة، لا على مجرد تغيير المسميات الوظيفية.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

