في المطبخ البورمي، هناك مثل شعبي يقول إن إضافة الزنجبيل إلى “الكاري” قد يخفي رائحة المكونات التي بدأت تفسد بالفعل. يبدو هذا المثل اليوم وكأنه توصيف دقيق للحال في ميانمار؛ فبينما تحاول السلطات العسكرية هناك رسم مشهد “طبيعي” عبر انتخابات صورية وبرلمان جديد، تبقى الحقيقة المرة أن الأزمة السياسية لا تزال تنهش في جسد البلاد، وما تراه العين من ترتيبات مؤسسية ليس سوى قشرة خارجية لإخفاء عمق الانهيار.
لقد مرت خمس سنوات على انقلاب عام 2021، وتحولت ميانمار من “أمل ديمقراطي” إلى واحدة من أكثر معضلات جنوب شرق آسيا تعقيداً. ومع انصراف أنظار العالم نحو صراعات ملتهبة أخرى، خاصة في الشرق الأوسط، يخشى الكثيرون أن تسقط ميانمار من حسابات السياسة الدولية، رغم أن شظايا انفجارها الداخلي لا تزال تتطاير لتصيب الجوار الإقليمي بأسره.
السياسة الأسترالية: توازن حذر أم اكتفاء بالممكن؟
تبنت أستراليا عبر “خطة شراكة التنمية 2024-2029” موقفاً أخلاقياً واضحاً: إدانة الانقلاب، ودعم المجتمع المدني، وتقديم المساعدات عبر القنوات الدولية بعيداً عن مؤسسات النظام العسكري. إنه نهج يحاول الموازنة بين دعم الشعب ورفض شرعنة الجنرالات.
لكن السؤال الذي يطرحه الواقع اليوم: هل تكفي المساعدات الإنسانية وحدها؟ الأزمة لم تعد مجرد “احتياجات إغاثية”، بل تحولت إلى تحدٍ استراتيجي عابر للحدود. فغياب الدولة في مساحات شاسعة حوّل ميانمار إلى بؤرة لشبكات الاحتيال الإلكتروني، والاتجار بالبشر، والجريمة المنظمة التي تهدد أمن المنطقة بأكملها.
عقدة “الآسيان” والبحث عن بدائل
لطالما عولت كانبرا على منظمة “آسيان” (ASEAN) لقيادة الحل، لكن المنظمة تعاني من قيود هيكلية؛ فمبدأ الإجماع يجعل قراراتها بطيئة، وتغير الرئاسة دورياً يشبه محاولة ركض ماراثون مع تغيير العداء كل مسافة قصيرة. هذا الواقع يفرض على أستراليا ألا تضع كل بيضها في سلة “آسيان”، بل أن تبحث عن مبادرات إقليمية مكملة وأكثر مرونة.
أصوات خلف الأبواب المغلقة
تفتخر وزارة الخارجية الأسترالية بالتشاور مع أصحاب المصلحة، لكن هناك ضبابية تكتنف هذه العملية. نعم، السرية مطلوبة لحماية الشركاء في الداخل من بطش النظام، ولكنها تثير تساؤلاً مشروعاً: من الذي يمثل صوت الشعب فعلياً في هذه الغرف؟ تتمتع ميانمار بتنوع عرقي وسياسي هائل، وإذا لم تكن هذه المشاورات شفافة وشاملة، فإنها تخاطر بعزل فئات واسعة، خاصة الشباب والنساء والحركات العرقية التي تقود المقاومة على الأرض.
الجاليات.. المحرك المنسي
هنا يبرز دور “الشتات” الميانماري في أستراليا وخارجها. هؤلاء ليسوا مجرد مغتربين، بل هم جسر حي يمتلك اللغة، والعلاقات، والفهم العميق لما يجري في القرى والمدن البعيدة. إن استثمار خبراتهم ليس مجرد “عمل تطوعي”، بل هو ضرورة استراتيجية لبناء سياسة واقعية.
ما بعد “الضمادات” الإنسانية
المساعدات الإنسانية تنقذ الأرواح، لكنها لا تنهي الصراع ولا تمنع تدفق اللاجئين أو نمو عصابات الجريمة. أستراليا اليوم مطالبة بالانتقال من دور “المغيث” إلى دور “الشريك الإقليمي النشط” من خلال:
-
دعم المساعدات عبر الحدود: عبر منظمات محلية تصل إلى مناطق لا يصل إليها النظام.
-
حماية النازحين: العمل مع دول الجوار لتوفير حماية قانونية للمهجرين.
-
مكافحة الجريمة: تفعيل “عملية بالي” لمواجهة شبكات الاتجار بالبشر.
في النهاية، لن يحل أحد أزمة ميانمار من الخارج، فالكلمة الفصل لشعبها. لكن عدم الاستقرار في جنوب شرق آسيا لا يحترم الحدود الجغرافية، والسياسة الناجحة ليست تلك التي تراقب الحريق من بعيد، بل تلك التي تساعد في بناء الجدران العازلة للنيران وتمهد الأرض لمستقبل أكثر عدلاً.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

