نداء انساني وتاريخي إلى السفارة البابوية، والفاتيكان، إلى الولايات المتحدة وفرنسا. نداء وطني وروحي الى رئيس الجمهورية المتجذر من الجنوب والى الكرسي البطريركي ونناشدهم للعمل السريع لنجدة القرى المسيحية المحاذية للشريط الحدودي وحمايتها من أتون الحرب، وتجنيبها أهوالها الشرسة، وإبعاد نار القتل والدمار عنها. لان هذه القرى تطالب بالحياد، وتطلب الحماية من الدولة اللبنانية ومن الجيش اللبناني إلا أنّ أهالي هذه القرى وجدوا أنفسهم متروكين، فسلّموا أمرهم لله.ليتجلّى إيمانهم المسيحي العميق، إذ يثبتون في أرضهم برجاءٍ وصلاة، متّكلين على عناية الله وشفاعة مريم العذراء وقديسي لبنان.
احموا هذه القرى المسيحية المسالمة التي لا تريد الحرب، بل تريد أن تعيش بأمان وسلام وكرامة في أرضها بين اهلها، مع قريبها وعدوها، وأبعدوا عنها العدوان الإسرائيلي. إنهم متمسكون بجذورهم وأرض أجدادهم.
لم يحملوا يومًا سلاحًا في أيديهم، بل حملوا المسبحة الوردية للصلاة والتضرع.
لم يسمحوا لأي غريب أن يمسّ أرضهم أو يسرح ويمرح فيها على هواه.
لم يسمحوا للفلسطيني أن يدخل أرضهم ليحارب منها.
لم يسمحوا لحزب الله أن يثبت منصات صواريخ على أرضهم.
لم يساندوا غزة لأنهم غير معنيين بالحرب، ولا يريدون سوى العيش بسلام.
لم يشكّلوا يومًا خطرًا لا على جارهم ولا على عدوهم، بل يعيشون بإيمان في مخافة الله، شعارهم المحبة والسلام والخير، وقد بنوا علاقات طيبة مع جيرانهم من مختلف الطوائف.
رفضوا مغادرة قراهم رغم التهديدات،وفي ظلّ تصاعد العمليات العسكرية في منطقة جنوب الليطاني، خصوصاً على الحدود الجنوبية المحازية للخط الازرق حيث يواجه أهالي هذه القرى تهديدات مستمرة بالإخلاء من منازلهم وأراضيهم. ومع ذلك، يصرّون على البقاء والصمود رافضون مغادرة قراهم و النزوح عنها، لأن ذلك يهدّد وجودهم في أرضهم، وقد ذاقوا مرهّه مراراً، متمسّكين بأرضهم وتاريخهم وجذورهم. فاجتمعوا أمام ساحات الكنائس والتجأوا الى قاعاتها مع كهنتهم وقرعوا الاجراس معلنين خلالها عن تصميمهم على البقاء مهما بلغت التحديات والمخاطر، معتبرين أن البقاء في الأرض هو شكل من أشكال المقاومة والحفاظ على الهوية والتراث.
هذه القرى موزعة على الشكل التالي:
في قضاء صور: علما الشعب وهي البلدة المسيحية الوحيدة في هذا القضاء على الخطوط الأمامية وموقعها جغرافياً يعتبر استراتيجياً.
في قضاء بنت جبيل: رميش،عين إبل، دبل، القوزح.
في قضاء مرجعيون :جديدة مرجعيون، القليعة.
إلا أن حادثتين أليمتين أزهقتا روحين من شهدائنا، لتظل دماؤهما الطاهرة شاهدة على حب الوطن وتمسك أبنائه بأرضهم وهويتهم وإيمانهم.
في ٨ آذار ٢٠٢٦، استشهد شقيق راعي أبرشية علما الشعب، سامي الغفري، إثر اعتداء بطائرة درون إسرائيلية في حديقة منزله الذي رَمَّمه وعاد إليه. كان قد التقط صورة واقفًا على أطلال منزله المهدم سابقًا. ورغم ذلك، آثر الأهالي البقاء، إلا أن الميكانيزم أبلغ الجيش اللبناني واليونيفيل بضرورة إخلاء البلدة صباح الثلاثاء ١٠ آذار ٢٠٢٦ الساعة التاسعة،كما ان السفارة البابوية أوصت اهالي علما الشعب بتنفيذ الأمر نظراً لخطورة الوضع، مما أدّى إلى إخلاء البلدة بالكامل، حيث غادرها الأهالي مُرغمين ويحملون جميعًا في قلوبهم أملاً واحدًا العودة إلى أرضهم .
في اليوم التالي، في ٩ آذار، حمل شهيد كنيسة بلدة القليعة الخوري بيار الراعي صليبه وبقي مع أهله، الراعي الصالح الذي أبى أن يترك خرافه فقتلته الذئاب. ليرتقي شهيداً على مذبح التمسك بالأرض والهوية والإيمان. ورغم كل ذلك أصرّ الاهالي على البقاء لاكمال رسالة الصمود والثبات.
عاشا أبطالًا وماتا شهداء، وسيبقى ذكراهما خالدةً، قدوةً للأجيال القادمة. كانت حياتهما كرامةً وعزّة، ودماؤهما الطاهرة شاهدةً على حب الوطن وتمسك أبنائه بأرضهم وهويتهم وإيمانهم، ووفاتهما كانت بطولةً وشهادةً على تمسكهما بالحق والحرية.
في نهاية المطاف، يظل صمود أهالي هذه القرى رسالةً قويةً إلى العالم: لا تُترك الأرض والوطن يُصان بالتمسك والصمود. اختاروا الدفاع عن تاريخهم وروحهم بالثبات والإيمان، بعيدًا عن العنف، حاملين رسالة سلام ومحبة وكرامة في قلب الجنوب اللبناني.
يا رب، احفظ لبناننا بجنوبه وشماله وشرقه وغربه، وصون أرضه وشعبه وهويته.


