عادت أستراليا من جديد لتضع قدماً في رمال الشرق الأوسط المتحركة، وهي خطوة قد تثير دهشة الكثيرين ممن ظنوا أن زمن التدخلات العسكرية الأسترالية البعيدة قد ولى مع ذكريات حرب العراق المثيرة للجدل. اليوم، وبقرار من حكومة ألبانيزي، تتجه طائرة الإنذار المبكر “E-7A Wedgetail” برفقة 85 جندياً وشحنة من الصواريخ المتطورة إلى الإمارات العربية المتحدة.

هذا التحرك، وإن بدا “فنياً” في ظاهره، يطرح السؤال الجوهري: هل نحن بصدد دخول حرب جديدة؟

مهمة “دفاعية”.. ولكن!

وفقاً للرواية الرسمية، لا تأتي هذه الطائرة للمشاركة في هجمات “إسرائيلية-أمريكية” ضد إيران، بل الغرض “دفاعي بحت”. القصة بدأت عندما تضررت الرادارات الأرضية الإماراتية نتيجة هجمات إيرانية، مما خلق ثغرة في سماء المنطقة. هنا يأتي دور “Wedgetail” لتعمل كـ “عين في السماء”، ترصد الدرونز (مثل “شاهد” الإيرانية) وتزود الصواريخ الدفاعية والمنظومات الإماراتية بالبيانات اللازمة لإسقاطها.

الأمر لا يتوقف عند الرصد؛ فأستراليا أرسلت أيضاً صواريخ “AMRAAM” لتعويض النقص في المخزون الإماراتي الذي استُهلك في اعتراض أكثر من 1000 صاروخ ومسيرة إيرانية خلال الفترة الماضية.

جذور قديمة ومخاطر متجددة

لا تذهب القوات الأسترالية إلى أرض مجهولة؛ فمركز العمليات سيكون قاعدة “المنهاد” الجوية (جنوب دبي)، وهي نقطة انطلاق مألوفة للجيش الأسترالي منذ عام 2003. ورغم أن القوات هناك تمتلك خبرة واسعة من العمليات السابقة ضد تنظيم “الدولة الإسلامية”، إلا أن “المنهاد” نفسها لم تعد آمنة تماماً، فقد سبق وأن طالتها الرشقات الإيرانية، مما يضع الطائرة الأسترالية وطاقمها في دائرة الخطر المباشر.

هل نبتلع الطُعم؟

المشكلة الحقيقية ليست في المهمة الحالية، بل فيما قد تؤول إليه. الحكومة تحاول جاهدة تسويق المهمة كدعم “لوجستي”، لكن في كواليس السياسة، يُنظر لهذا الوجود كخدمة غير مباشرة لواشنطن؛ فبقيام أستراليا بحماية الأجواء الإماراتية، تتفرغ القوات الأمريكية لمهام هجومية ضد إيران.

الأكثر إثارة للقلق هو سيناريو “الانزلاق التدريجي”. ماذا لو قررت الولايات المتحدة كسر الحصار الإيراني على مضيق هرمز بالقوة؟ حينها ستكون الطائرة الأسترالية الموجودة بالفعل هي الأداة الأولى التي سيطلبها الحلفاء للمشاركة.

إنذار مبكر

إن إرسال طائرة “Wedgetail” قد لا يكون إعلاناً رسمياً للحرب، لكنه بالتأكيد “إنذار مبكر” لنا جميعاً. نحن الآن في وضع قد يجعلنا رهائن لقرارات تُتخذ في واشنطن أو تل أبيب، لنجد أنفسنا مجدداً في صراع إقليمي واسع، مدفوعين بتبعات إغلاق مضيق هرمز وتأثيره على أسعار الوقود ومعيشتنا اليومية.

التاريخ يخبرنا أن الحروب الكبرى غالباً ما تبدأ بخطوات “دفاعية” صغيرة.