رغيد النحّاس-سدني
في السنوات الأخيرة، باتت سياسات أستراليا الخارجيّة والدفاعيّة تتماهى على نحوٍ متزايد مع الأولويّات الاستراتيجيّة الأميركيّة، حتى حين تتعارض هذه الأولويّات مع مصالحها الإقليميّة الخاصّة. فالاتفاقيّة الأمنيّة “أوكوس (AUKUS)”، على سبيل المثال، تُلزِم أستراليا بإنفاق عسكريّ هائل وبالتزام تكنولوجيّ عميق، من دون أن توفّر وضوحًا كافيًا حول كيفيّة إسهام هذه الالتزامات في تعزيز الاستقرار الإقليميّ على المدى الطويل. وبدلًا من أن تؤدي دور الجسر بين الشرق والغرب، تُخاطر أستراليا بأن تتحوّل إلى قاعدة عمليّات متقدّمة للإمبراطوريّة الأميركيّة.
ومهما تكن ولاءاتها التاريخيّة، واقع أستراليا الفعليّ هو واقعٌ هندو–باسيفيكي. طرق تجارتها تمتد شمالًا عبر جنوب شرق آسيا وصولًا إلى شمال شرقها. وازدهارها منسوج في اقتصادات الصين واليابان وكوريا الجنوبيّة والهند وإندونيسيا وفيتنام ودول رابطة “آسيان”. ويبدو لي أنّ تنافس القوى الكبرى، بالنسبة إلى أستراليا، ليس نقاشًا نظريّا مجرّدًا، بل حقيقة تصوغها الجغرافيا.
ومع ذلك، ومع تعمّق الترابط الإقليميّ، اختارت أستراليا أن تربط نفسها على نحوٍ أوثق بمنطق الاستراتيجيّة الأميركيّة (أو ما يمكن تسميته بالإمبراطوريّة الجديدة). إن التوتّر هنا بنيويّ: الجاذبيّة الاقتصادية تشدّ شمالًا، والانعكاس الاستراتيجيّ يشدّ شرقًا. بعبارة أخرى، نكسب عيشنا في آسيا، لكنّنا لا نزال نطلب طمأنينة أمننا من أميركا.
الولايات المتّحدة الأميركيّة حليفٌ أمنيٌّ حيويٌّ ومستثمرٌ مهمّ، لكنّها لا تستوعب الحصة الأكبر من صادرات السلع الأستراليّة، ولا تُحدّد شريان الحياة التجاريّة لأستراليا. “الاتّكال” الأمنيّ يميل نحو واشنطن، فيما يميل الوجود الاقتصاديّ نحو آسيا. عدم التماثل هذا هو الحقيقة الاستراتيجيّة الجوهريّة في حياة أستراليا.
تاريخيًّا، أدركت أستراليا موقعها الاستراتيجيّ ومصالحها البحريّة، وطَمِحت إلى أن تكون ديمقراطيّة ليبراليّة غربيّة مندمجة في آسيا، قادرة على الملاحة بين الثقافات السياسيّة وتخفيف حدّة التطرف. وكان هذا الدور يتطلّب رشاقة دبلوماسيّة وثقة إقليميّة. غير أن الخيارات الأخيرة توحي بمسارٍ مختلف. فالشراكة الأمنيّة الثلاثيّة (أستراليا–المملكة المتّحدة–الولايات المتحدة الأميركيّة) المعروفة بـ”أوكوس” تُلزِم أستراليا بعقودٍ من الإنفاق العسكريّ وبتورّط تكنولوجيّ كبير. الغوّاصات العاملة بالطاقة النوويّة وتوسيع وضعيّة القوات يربطان أستراليا بالتخطيط الاستراتيجيّ الأميركيّ لمدى بعيد. وتُبرَّر هذه الالتزامات بلغة الردع، لكنّها في الوقت نفسه تكشف بأنّ أستراليا قد تكون بصدد التحوّل من شريك إلى موقعٍ متقدّم للإمبراطورية الجديدة، مع كلّ ما ينعكس على المنطقة.
في جنوب شرق آسيا والمحيط الهادئ، عبّرت حكوماتٌ كثيرة عن حذرها. فدول المنطقة لا تسعى إلى المواجهة ولا إلى سياسات المَحاور. أولويّاتها هي التنميّة الاقتصاديّة، والقدرة على الصمود أمام تغيّر المناخ، والاستقلاليّة الاستراتيجيّة. ويبدو أنّها حقّقت نجاحًا معقولًا في ذلك. ترحّب بالتوازن لا بالتصعيد. وإذا بات يُنظر إلى أستراليا أساسًا بوصفها امتدادًا لاستراتيجيّة الاحتواء الأميركيّة، فإنّها تُخاطر بتآكل الثقة التي يقوم عليها ازدهارها.
تكاليف الإفراط في الاصطفاف ليست مجرّدة. فاشتداد التنافس يزيد احتمالات اضطراب التجارة، والإكراه، وتفكّك سلاسل الإمداد. وفي حال اندلاع صراعٍ كبير—حول تايوان مثلًا—سيتعرّض اقتصاد أستراليا المعتمِد على التصدير لعواقب فوريّة وقاسية. انكشافها على الأسواق الآسيويّة مباشر وبنيويّ. كما أنّ الاندماج التكنولوجيّ والعملياتيّ طويل الأمد يضيّق حيّز القرار المستقل. فعندما تُدمَج الأنظمة العسكريّة ووضعيّة القوات ضمن تصميمٍ استراتيجيّ لحليف، يصبح الفكاك سياسيًّا وعمليًّا بالغ الصعوبة.
غالبًا ما يُؤطَّر النقاش على أنّه ولاءٌ مقابل خيانة: إمّا الوقوف بثبات مع الولايات المتّحدة أو الانجراف إلى حيادٍ خطِر. هذا التأطير يُفقِر التفكير الديمقراطيّ. فأستراليا لا تواجه خيارًا بين التخلّي عن “أنزوس” (معاهدة الأمن بين أستراليا ونيوزيلندا والولايات المتحدة) والخضوع للتبعيّة الاستراتيجيّة. إنها تواجه تحدّيًا أدقّ: كيف تحافظ على التحالف مع صون الاستقلاليّة؛ كيف تردع من دون تسريع المواجهة؛ وكيف تؤمّن الأمة من دون تضييق مستقبلها.
تعمل الجغرافيا على منحىً مختلف. فأستراليا دولةٌ باسيفيكيّة ذات التزامات عميقة تجاه دول الجزر المعرّضة لتغيّر المناخ. وهي دولةٌ مطلّة على المحيط الهنديّ، مرتبطة ليس فقط بجنوب آسيا، بل أيضًا بشرق أفريقيا. ويُقال إن انخراط أستراليا مع شرق أفريقيا “متعدّد الأبعاد، يركّز على الأمن البحريّ، والمعادن الحرجة، والصمود الرقميّ”. وهي شريكٌ اقتصاديّ آسيويّ مندمج في سلاسل الإمداد الإقليميّة. وهي مجتمعٌ متعدّد الثقافات، يتتبّع مواطنوه جذورهم عبر فضاء الهندو–باسيفيك. بيئتها الطبيعيّة هي بيئة ترابطٍ متبادل، لا تنافسٍ إمبراطوريّ.
تجاوز منطق الإمبراطوريّة لا يتطلّب عداءً للولايات المتّحدة الأميركيّة، بل وضوحًا في التناسب. ينبغي للتحالفات أن تخدم الاستقرار الوطنيّ والإقليميّ، لا أن تُحدّد الهويّة الوطنيّة. ويجب أن تُكمِل سياسة الدفاع الدبلوماسيّة لا أن تطغى عليها. وينبغي للقدرة العسكريّة أن تدعم الردع من دون أن تُقيِّد البلاد بالتزاماتٍ مسبقة تُقصي الخيار السياسيّ. الميزة النسبيّة لأستراليا تكمن في قدرتها على العمل كقوةٍ وسطى مُثبِّتة: الاستثمار في المؤسّسات الإقليميّة، والدفاع عن التعاون المناخيّ، وتعزيز شراكات التنمية، وصون القانون الدوليّ. وهذه ليست إشارات ضعف، بل أدوات أمنٍ مستدام.
الإمبراطوريّات تنهار؛ والتاريخ لا يعرف استثناءات. والسؤال أمام دولٍ مثل أستراليا هو مقدار الاضطراب الذي تختار أن ترثه. فإذا ربطت أستراليا نفسها بلا نقد بوضعيةٍ استراتيجيّة آخذة في التصعيد، فإنها تُخاطر بالتورّط في صراعاتٍ ليست من صنعها وبصدماتٍ اقتصاديّة ليست من اختيارها. أمّا إذا وازنت بين التحالف والاستقلال—بتعميق شراكات الهندو–باسيفيك، وتنويع التجارة، وتعزيز الدبلوماسيّة الإقليميّة—فقد تُسهم في تشكيل نظامٍ متعدّد الأقطاب مستقرّ، لا تهيمن فيه قوةٌ واحدة ولا تُهان فيه أيٌّ منها.
الأمن المُتحقِّق على حساب الجيران هشّ. أمّا الأمن المُتحقِّق مع الجيران فيدوم. والاختيار المطروح أمام أستراليا ليس بين الولاء والتخلّي، بل بين الخضوع الاستراتيجيّ والواقعيّة الإقليميّة. ولن يُحسَم مستقبلها في عواصم بعيدة، بل بمدى صدق قراءتها لجغرافيّتها الخاصّة، وبما إذا كانت تمتلك الثقة لتسكنها.
رغيد النحاس دكتور في العلوم. أستراليّ من أصل سوريّ-لبنانيّ. كاتب بالعربيّة والإنكليزيّة وناشر ومحرّر ومترجم.


