بينما تمر الأيام ثقيلة على اللبنانيين في وطنهم الأم، يعيش ربع مليون أسترالي من أصول لبنانية حالة من الترقب والقلق التي لا تهدأ. المشهد ليس مجرد أرقام لنزوح أكثر من نصف مليون شخص أو إحصائيات لضحايا الحروب، بل هو وجع يسكن كل بيت في “لاكيمبا” وضواحي “سيدني”، حيث تتحول شاشات التلفاز إلى نافذة وحيدة للاطمئنان على أهل وأقارب باتوا مشردين بين ليلة وضحاها.

“لا أحد يعرف إن كان سيعود”

تختصر بانسي صالح، المقيمة في سيدني، حال الكثيرين؛ فمعظم أفراد عائلتها اضطروا للفرار من قراهم الجنوبية نحو العاصمة بيروت بحثاً عن أمان مفقود. تقول بمرارة: “الجميع هنا يخشى ألا يرى أحباءه مجدداً.. حتى أطفالنا في المدارس باتوا يحملون همّ أجدادهم وأبناء عمومتهم الذين يواجهون الموت كل لحظة”.

هذا الخوف لم يأتِ من فراغ، فالتصعيد الأخير الذي أعقب أحداث فبراير وضع لبنان في فوهة المدفع. وبينما يتحدث السياسيون عن “البنية التحتية” و”اتفاقات وقف إطلاق النار”، يرى اللبنانيون في أستراليا واقعاً مغايراً: قرى تُمسح عن الخارطة، ومستشفيات تُخلى من مرضاها، وأطفال يقضون تحت الأنقاض.

قصص من عمق الأزمة

يشاركنا الباحث سعد رمضان قصة والديه الثمانينيين اللذين فرا مع شقيقه (من ذوي الاحتياجات الخاصة) من الجنوب إلى شقة في بيروت تكتظ الآن بست عائلات. ورغم ضيق الحال، يعتبر سعد عائلته “محظوظة” لأن لديهم سقفاً يؤويهم، بينما يفترش الكثيرون الطرقات بعدما اشتعلت أسعار الإيجارات، أو قوبلوا بالرفض من بعض المناطق خوفاً من الملاحقات العسكرية.

“هناك من رفض الخروج من منزله في الجنوب أصلاً، فضلوا البقاء والمخاطرة بحياتهم على أن يذلوا في شوارع بيروت”، يضيف سعد بحرقة، مقارناً بين الأمان الذي نعيشه في أستراليا وبين رعب من يخرج لشراء ربطة خبز ولا يعرف إن كان سيعود لأطفاله أم لا.

وطن منهك وجالية تحاول المساعدة

تأتي هذه الكارثة الإنسانية في وقت يعاني فيه لبنان أصلاً من نهك اقتصادي وشلل سياسي جعل مؤسساته عاجزة عن تقديم أبسط مقومات الحياة. ورغم محاولات المغتربين في أستراليا جمع التبرعات وإرسال المساعدات، إلا أن توقف الرحلات الجوية والاضطرابات الإقليمية وضعت عوائق أمام وصول هذا الدعم لمن يستحقه.

صرخة من أجل السلام

في بيروت، يتحدث الدكتور فراس أبيض، الجراح الذي يواصل العمل في مستشفى الجامعة الأمريكية، عن واقع مرير: “الغالبية العظمى من اللبنانيين لا تريد هذه الحرب، نحن فقط من يدفع الثمن”. ومع تحذيرات الأمم المتحدة من أن “الأسوأ لم يأتِ بعد”، يبقى الخيار بالنسبة للبنان اليوم بين طريق الدمار أو العودة إلى العقل والحوار.

بالنسبة لبانسي وسعد وآلاف غيرهم في أستراليا، لا تعنيهم الحسابات السياسية بقدر ما يعنيهم أن يتوقف الرنين المتواصل للهواتف الذي يحمل أخبار الموت، وأن يعود لبنان وطناً يجمعهم لا ذكرى مؤلمة يطاردها الرصاص.