خلف بريق الملاعب في “جولد كوست” الأسترالية، لم تكن صافرة نهاية مباراة المنتخب الإيراني للسيدات مجرد إعلان عن خسارة رياضية، بل كانت بداية لسباق مع الزمن يسكنه الرعب. فبينما تستعد “لبؤات إيران” لمغادرة الأراضي الأسترالية، تصاعدت صرخات الاستغاثة من الجالية الإيرانية هناك، خوفاً من أن تكون رحلة العودة إلى طهران هي الرحلة الأخيرة نحو الحرية، أو ربما الحياة.

صمتُ النشيد.. تهمة الخيانة

بدأت المأساة حين وقفت اللاعبات بصمت خلال النشيد الوطني في أولى مباريات البطولة، تزامناً مع ذكرى اغتيال خامنئي. هذا الموقف “الإنساني” تحول في نظر الإعلام الرسمي الإيراني إلى “خيانة عظمى”. ورغم محاولتهن تدارك الأمر في المباريات التالية عبر ترديد النشيد وتأدية التحية، إلا أن التهديدات كانت قد سبقتهن بالفعل.

تقول الأنباء الواردة من كواليس البعثة إن اللاعبات يعشن في حالة من “السجن الاختياري”. مسعود ظهوري، مدير إذاعة “راديو نشاط” في ملبورن، كشف عن تفاصيل صادمة؛ حيث أكد أن اللاعبات يخضعن لرقابة لصيقة من قبل عناصر يُعتقد انتماؤهم للاستخبارات الإيرانية. “إنهن خائفات.. يقلن إننا نعيش في سجن، لا يسمحون لنا بمغادرة الفندق وحدنا، ولا نستطيع التواصل مع عائلاتنا”، هكذا وصف ظهوري حالتهن قبل أن تمنعه عناصر الأمن من الاستمرار في التواصل معهن.

صرخة من قلب بريسبان

في الخارج، لم يكن المشهد أقل درامية. تظاهر المئات حول حافلة الفريق، يهتفون “يا فتيات الشمس والأسد.. نحن معكن”. هادي كريمي، الناشط الحقوقي الذي كان هناك، تحدث بنبرة يملؤها الانكسار: “لقد حاصرنا الحافلة وطلبنا من الشرطة التدخل لإنقاذ حياتهن.. إنهن في خطر حقيقي”. كريمي، الذي تلقى هو الآخر تهديدات بالقتل في أستراليا بسبب نشاطه، وجه رسالة حادة: “يا أستراليا، استيقظي! العالم يجب أن يقف مع الإيرانيين الآن”.

تصريحات دبلوماسية.. ومخاوف من “محاكم الحرب”

بينما تكتفي وزيرة الخارجية الأسترالية، بيني وونغ، بالقول إن بلادها “تتضامن مع الشعب الإيراني” دون الخوض في تفاصيل وضع اللاعبات، حذرت أطراف حقوقية وصحفية، مثل مسيح علي نجاد، من أن اللاعبات ضحايا لـ “قمع عابر للحدود”. ووصلت المخاوف ذروتها مع تقارير تفيد بأن اللاعبات قد يواجهن “محاكم ثورية” فور عودتهن، وهي محاكم قد تصل أحكامها إلى الإعدام بتهمة إهانة رموز الدولة.

المعضلة الكبرى: العائلة أم النجاة؟

ما يجعل الموقف معقداً هو أن العديد من اللاعبات قد لا يطلبن اللجوء، ليس رغبةً في العودة، بل خوفاً على عائلاتهن في الداخل من بطش النظام. “كيت”، وهي سيدة من الجالية الإيرانية، لخصت الوجع قائلة: “لا يمكننا إجبارهن على البقاء، فإذا أصاب عائلاتهن مكروه لن يستطعن العيش مع تأنيب الضمير.. لكننا نطالب الحكومة الأسترالية فقط بإعطائهن (خيار) الأمان”.

بينما تحاول منظمات مثل “فيفبرو” و”فيفا” التدخل لضمان سلامة اللاعبات، يبقى السؤال معلقاً فوق سماء أستراليا: هل ستسمح القوانين الدولية بعودة هؤلاء الفتيات إلى مصير مظلم، أم أن “الحق في الحماية” سينتصر على الحسابات السياسية؟