كشفت الحسابات الوطنية الصادرة هذا الأسبوع عن مشهد اقتصادي أسترالي يجمع بين التفاؤل والارتباك؛ فنحن أمام انتعاش دوري بدأ يتسع نطاقه ليشمل قطاعات متعددة. الخبر السار هنا هو أن هذا الزخم يتركز بشكل أساسي في الأنشطة التي تخدم مستقبل أستراليا، كما أن مراجعة البيانات التاريخية أظهرت أن قدرة الاقتصاد على الإمداد وتلبية الطلب أفضل مما كان يخشاه الكثيرون، وهو ما يتفق مع رؤيتنا المتفائلة.
نقاط القوة: نمو يتجاوز التوقعات
الاقتصاد الأسترالي يمر بمرحلة صعود دوري واضحة، حيث سجل الربع الأخير نمواً صلباً في الطلب العام والخاص على حد سواء. الاستثمار التجاري يبدو في وضع إيجابي للغاية، رغم التذبذب الطبيعي المرتبط بتوقيت تجهيز مراكز البيانات الضخمة.
وعلى الرغم من تراجع القطاع الخارجي، إلا أن صادرات المعادن استعادت توازنها بعد فترة من الركود، ومع ارتفاع أسعار السلع الأساسية، شهدنا تدفقاً ملحوظاً في الدخل والإيرادات الضريبية. هذا التطور “إيجابي بلا أدنى شك”، فبناء قدرات استثمارية في قطاع الإسكان يعني زيادة المعروض مستقبلاً، وكل هذه المؤشرات تؤكد أننا نسير في طريق الاستثمار في مستقبل البلاد.
علاوة على ذلك، تبين أن “الإنتاجية” نمت بنسبة 1.0% على أساس سنوي، وهي نسبة تتجاوز توقعات البنك المركزي (RBA). ورغم أن البعض قد يرى في ثبات أرقام الربع الأخير دليلاً على الركود، إلا أننا نؤمن بأن هذه البيانات عرضة للمراجعة والتحسين مستقبلاً، ولا تعكس بالضرورة الواقع الكامل.
التحديات: ضغوط القطاع العام والأعباء الضريبية
في المقابل، لا يزال القطاع العام يقتطع حصة كبيرة من الكعكة الاقتصادية. وبينما تنتهي بعض مشاريع البنية التحتية، تظل أوجه الإنفاق العام الأخرى قوية، مما يخلق نوعاً من المنافسة مع القطاع الخاص على الموارد المتاحة، خاصة في مجالات حيوية مثل تحول الطاقة ومشاريع الألعاب الأولمبية في بريزبن.
الجانب “المزعج” للمواطن يتمثل في عودة العبء الضريبي على الأسر إلى مستويات مرتفعة، مما التهم تقريباً كل الفوائد التي جلبها خفض الضرائب السابق (Stage 3). هذا الضغط على الدخل المتاح، مضافاً إليه ارتفاع أسعار الوقود الناتج عن التوترات في الشرق الأوسط، يضع الأسر في موقف لا تحسد عليه.
لغز الاستهلاك المحير
أكبر المفاجآت كانت في بيانات الاستهلاك للربع الرابع، والتي جاءت أضعف بكثير من توقعاتنا وتوقعات البنك المركزي. قد يعود جزء من هذا التراجع إلى “ضجيج” في البيانات أو أخطاء قياس ستُصحح لاحقاً، لكن الواقع الحالي يشير إلى أن التعافي الذي ننتظره في القطاع الخاص يقوده الاستثمار (سواء التجاري أو العقاري) وليس الاستهلاك. سيبقى المستهلك الأسترالي “مكبلاً” بوطأة السياسة النقدية المتشددة والضرائب المرتفعة حتى تهدأ موجة التضخم الحالية.
و بالتالي نحن أمام اقتصاد يتحرك للأمام بقوة الاستثمار، لكنه يفتقد لمحرك الاستهلاك المنزلي. الانتعاش حقيقي، لكن المواطن العادي لن يشعر بثماره بشكل كامل حتى ينحسر التضخم وتخف الضغوط المالية عن كاهله.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

