خلف الضجيج المتصاعد في الشرق الأوسط، ثمة أسئلة معلقة لا يملك أحد إجابة شافية لها: ما الذي يخطط له دونالد ترامب تجاه إيران؟ هل نحن بصدد تغيير للنظام أم مجرد “ترميم” لوجهه؟ وما هي الهزات الارتدادية التي سيخلفها هذا الزلزال؟

لكن، وبالنظر من الزاوية الأسترالية، هناك حقيقة واحدة بدأت تتضح معالمها وسط هذا الغبار: لقد انتهى ذلك العهد الذي كانت فيه كانبيرا تفاخر بتمسكها بـ “النظام العالمي القائم على القواعد”. بالنسبة لحزب العمال، قد يبدو هذا التراجع مجرد “استراحة محارب” مؤقتة عن الدفاع عن المبادئ، أما المعارضة فتراها صرخة استيقاظ لمواجهة واقع أستراليا الجديد.

من “حارس القانون” إلى “متفرج صامت”

قبل ستة أشهر فقط، وقف رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي على منصة الأمم المتحدة، متقمصاً دور المدافع الشرس عن سيادة القانون الدولي. حينها، حذر بلهجة حازمة من أن اعتبار أي دولة نفسها “فوق القانون” يعني تآكل سيادة الجميع. كان الهدف الواضح من تصريحاته هو روسيا، والرسالة الضمنية موجهة للصين.

لقد طالب ألبانيزي القوى المتوسطة بألا تكتفي بدور “المتفرج”، محذراً من أن العجز عن التحرك في الأزمات سيفقدنا ثقة العالم. لكن المفارقة تجلت هذا الأسبوع؛ حيث اختارت حكومته أن تكون هي “المتفرج”. فبدلاً من إصدار أحكام قانونية، لجأت إلى الرد المعلب: “هذا شأن يخص الولايات المتحدة وإسرائيل”.

في ظلال ترامب.. الحسابات السياسية تسبق المبادئ

دعم ألبانيزي للضربات ضد إيران وتجنبه الحديث عن القانون الدولي لم يأتِ من فراغ، بل تحكمه ضرورتان:

  1. العداء الصريح لطهران: لا تكن الحكومة الأسترالية أي ود للنظام الإيراني، خاصة بعد طرد سفيرها وتصنيف الحرس الثوري منظمة إرهابية.

  2. حتمية التحالف مع واشنطن: أستراليا تجد نفسها اليوم أكثر ارتهاناً للتحالف مع أمريكا، خاصة في ظل اتفاقية “أوكوس” (AUKUS). الوقوف في وجه ترامب يعني مخاطرة سياسية كبرى، وهو الذي هدد بقطع التجارة مع إسبانيا لمجرد أن رئيس وزرائها انتقد الضربات. ألبانيزي، ببراغماتيته المعهودة، لم يكن ليخوض هذا الاختبار.

جنازة النظام القديم

هذا التحول ليس مجرد مناورة سياسية، بل هو انعكاس لزمن جديد وصفه رئيس الوزراء الكندي مارك كارني بـ “نهاية الخيال الجميل وبداية الواقع القاسي”. في هذا العالم الجديد، لا تعترف القوى الكبرى بقيود أو حدود، وعلى القوى المتوسطة مثل أستراليا وكندا أن تتكيف أو تندثر.

الغريب أن هذا التوجه وجد قبولاً حتى داخل الجناح اليساري في حزب العمال، باستثناء أصوات خافتة مثل “إد هوسيك” الذي اعتبر الضربات خارجة عن القانون الدولي. وعلى المقلب الآخر، يبدو أن الليبراليين، وعلى رأسهم أندرو هاستي، يرحبون بهذا الوضوح، مؤكدين أن العالم الذي عرفناه طوال 80 عاماً قد ولى بلا رجعة.

ثمن التحول 

تحاول أستراليا اليوم الإبحار في محيط عالمي جديد بقواعد غير مكتوبة. لكن الثمن الحقيقي لهذا التحول سيظهر لاحقاً؛ ففي المرة القادمة التي ستحاول فيها كانبيرا إدانة روسيا أو الصين، ستفتقر كلماتها إلى تلك القوة الأخلاقية التي كانت تملكها يوماً. لقد انتصر الواقع على المثالية، وأصبحت “القواعد الدولية” مجرد ذكرى من خطاب قديم.