قبل خمسة عشر عاماً، كنتُ مجرد شابة تجلس في مرآب منزلي والديّ، غارقة في ديون تصل إلى 60 ألف دولار، أحاول يائسة بناء ما أصبح اليوم “Showpo” – تلك الإمبراطورية التي تتجاوز مبيعاتها 100 مليون دولار سنوياً. في ذلك الوقت، كنت أتخبط بين ضياع تام وشعور غريب بأنني ربحت ورقة يانصيب وأخشى تمزيقها بيدي.
اليوم، تغير المشهد تماماً؛ فأنا أدير عملاً عالمياً وفي الوقت نفسه أربي طفلين. هذا التناقض اليومي يضعني في مواجهة حقيقة قاسية: بناء الشركات أسهل بكثير من تربية البشر، لأن الأول يمنحك لغة الأرقام، بينما الثاني يتطلب لغة الإيمان.
فخ الـ “دوبامين” في العمل
في المكتب، كل شيء يسير وفق نظام المكافأة السريعة. عندما نغلق صفقة، أو نحل مشكلة طارئة، أو نطلق منتجاً جديداً، نحصل على جرعة فورية من “الدوبامين”. ترى التقدم بعينيك، تقيسه بالأرقام، وتشعر بنشوة النجاح التي تجعلك مدمناً على الإنجاز. في العمل، أنت تعرف تماماً متى تكون متفوقاً، واللوحات البيانية لا تكذب.
صبر “الأرباح المؤجلة” في البيت
أما في المنزل، فالقواعد مختلفة تماماً. تجدني جالسة مع طفلي ذي السنوات الخمس، نحاول حل أحجية (Puzzle) من 2000 قطعة – ولا أعلم حقاً لماذا اشتريتها! يصرخ بـ “لا أجد هذه القطعة”، وهنا تبدأ المهمة الحقيقية. لا توجد لوحة شرف تخبرني أنني أم ناجحة لأنني حافظت على هدوئي أثناء نوبة غضب طفلي، ولا يوجد “تقييم أداء” يصفق لي لأنني أنصتّ إليه بصدق رغم إرهاقي.
الأمومة هي سلسلة من “المهام الصامتة”: غرس قيم الصمود، تكرار الحدود بصبر، وخلق طقوس تبدو تافهة في لحظتها، لكنها تشبه “أرباح الأسهم” في عالم الاستثمار؛ لا تراها غداً، بل تراها بعد سنوات في ثقة طفلك بنفسه، وفي تعاطفه مع الآخرين، وفي قدرته على مواجهة الخيبة.
الصراع الداخلي الذي لا نحكيه
في يوم المرأة العالمي، نحتفل بالطموح وبناء الشركات، وهذا رائع. لكننا نغفل عن الحديث عن ذلك “التمزق الداخلي” الذي تشعر به النساء الطموحات. إنه الشعور بالذنب عندما يبدو النجاح المهني أسهل في القياس من النجاح كأم، والضيق الخفي عندما يبدو المنزل مكاناً “أقل كفاءة” أو “أبطأ” من بيئة العمل السريعة.
الحقيقة التي تعلمتها هي أن النجاح الحقيقي لا يعني التضحية بالطموح لأجل الأمومة، أو العكس. السر يكمن في إدراك الفرق بينهما:
-
العمل: يمنحك الطاقة الآن.
-
الأمومة: تمنحك المعنى لاحقاً، عندما تدرك فجأة من أصبحوا أطفالك.
نحن لا نحتاج لأن نكون أقل طموحاً، بل نحتاج فقط أن نكون أكثر صبراً مع أنفسنا في تلك اللحظات “الهادئة” التي لا يصفق لنا فيها أحد.

ميشيل نان مترجم للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، يساهم في نقل أبرز التطورات السياسية والاقتصادية في أستراليا إلى القارئ العربي.

