من الخطاب إلى الزعامة:

كيف يصنع السياسيّون جمهورهم في لبنان؟

د.مصطفى علّوش

“يعيش أهل بلدي وبينهم مافيش    تعارف يخلي التحالف يعيش

تعيش كل طايفة من التانية خايفة   وتنزل ستاير بداير وشيش

لكن في الموالد يا شعبي يا خالد   بنتلم صحبة ونهتف يعيش” (أحمد فؤاد نجم)

في السياسة، لا تكفي الأفكار وحدها لصناعة التأثير، فالمسافة بين برنامجٍ مكتوب وخطابٍ يُلقى أمام الجمهور هي المساحة التي تتكوّن فيها القناعة أو تضيع. السياسي الناجح لا يقدّم معلومات بقدر ما يبني سردية، ويصوغ واقعًا لغويًا يجعل الناس يرون العالم من زاوية محددة. فالخطاب السياسي ليس مجرد نقلٍ للأفكار، بل هو بناءٌ للمعنى، وإدارةٌ للمشاعر، وتوجيهٌ للإدراك الجماعي.

أولى أدوات هذا البناء هي رسم صورة مبسّطة للعالم تقوم على ثنائيات واضحة هي “نحن وهم، الشعب والنخب، الاستقرار والفوضى، الأمن والخطر”. هذا التقسيم لا يهدف فقط إلى تبسيط الواقع، بل يمنح الجمهور إحساسًا بالانتماء من جهة، وبالتهديد من جهة أخرى. فالخوف يولّد الحاجة إلى الحماية، والسياسي يقدّم نفسه باعتباره الضامن لها. وفي الوقت نفسه، لا يكتمل الخطاب دون عنصر الأمل، حيث تُطرح وعود موجزة وقابلة للتخيل مثل استعادة الدولة، أو حماية الطبقة الوسطى، أو إعادة الكرامة. هنا لا تكون التفاصيل التقنية هي الأهم، بل الصورة العاطفية للمستقبل.

ولأن الجمهور يتفاعل مع التجربة الإنسانية أكثر مما يتفاعل مع الأرقام، يعتمد الخطاب السياسي على السرد. قصة مواطن يعاني، أو حادثة يومية، أو تجربة شخصية، يمكن أن تختصر قضية معقّدة بكاملها. تتحول السياسات بذلك من معادلات وإحصاءات إلى معاناة ملموسة، ويصبح النقاش أقرب إلى الإحساس منه إلى التحليل.

وتكتمل قوة الخطاب بلغة بسيطة وإيقاع واضح. الجمل القصيرة، والكلمات المباشرة، والتكرار المقصود، تمنح الرسالة قوة واستقرارًا في الذاكرة. فحين تتكرر عبارات مثل “الأمن أولًا” أو “لا للفساد”، لا تبقى مجرد شعارات، بل تتحول تدريجيًا إلى إطار ذهني يرى الناس من خلاله الواقع. ومع الزمن، يخلق التكرار إحساسًا بالحقيقة.

في جوهره، يخاطب الخطاب السياسي المشاعر قبل العقل. فهو يستدعي الخوف من المستقبل أو من الانهيار، ويستثير الغضب من الظلم أو الفساد، ويعزّز الفخر بالهوية والانتماء، ويغذّي الإحساس بالكرامة والاعتراف. وعندما تنجح الرسالة عاطفيًا، تصبح الحجج العقلية التي تليها مقبولة بسهولة، لأن العاطفة تكون قد مهّدت الطريق.

كما يقوم الخطاب المؤثر على تبسيط الواقع المعقّد. فالمشكلات الاقتصادية أو الاجتماعية أو الأمنية غالبًا ما تكون متعددة الأسباب، لكن الخطاب الفعّال يحدد سببًا واحدًا، ويعيّن جهة مسؤولة، ويقدّم حلًا واضحًا وسريعًا. هذا التبسيط يمنح الجمهور شعورًا بالوضوح والسيطرة، حتى لو كان الواقع أكثر تعقيدًا مما يُعرض.

 

ولا يعتمد التأثير على مضمون الكلام فقط، بل على صورة المتحدث نفسه. لذلك يعمل السياسي على بناء شخصية محددة ليكون القريب من الناس، أو صاحب المعاناة، أو القائد القوي، أو المنقذ، أو صاحب الخبرة. كل خطاب هو في الوقت ذاته بناء للسياسة وبناء للصورة الشخصية التي تمنح الكلام مصداقيته. وفي بعض الأحيان، لا يكون الغموض ضعفًا بل أداة. فترك بعض العبارات مفتوحة يسمح لجماهير مختلفة بأن تجد فيها ما يناسب توقعاتها، ويوسّع دائرة التأييد، ويؤجل المواجهة مع التفاصيل التي قد تكون مثار خلاف.

في النهاية، يكشف تحليل الخطاب السياسي أن السياسة لا تُدار بالقرارات وحدها، بل باللغة التي تُعرّف الواقع نفسه. ومن هنا تأتي أهمية وعي المواطن بطريقة بناء الخطاب، والتمييز بين السرد والدليل، وبين إثارة الشعور وتقديم الحل، وبين ما يُقال وما يُترك دون ذكر. ففي زمن القلق وعدم اليقين، تصبح اللغة أداة قوة حقيقية، وفهمها هو الخطوة الأولى نحو موقف سياسي أكثر استقلالًا ووعيًا.

الخطاب في لبنان

في لبنان، لا تختلف تقنيات الخطاب السياسي كثيرًا عن القواعد العامة للتأثير، لكنها تكتسب طابعًا خاصًا بسبب طبيعة النظام الطائفي، وتاريخ الصراعات، وحالة الأزمات المزمنة. فالخطاب هنا لا يكتفي بإقناع الناخب ببرنامج أو سياسة، بل يعمل على تثبيت الانتماء، وإدارة الخوف، وإعادة إنتاج شبكة الولاء في بيئة يغلب عليها القلق وعدم اليقين.

أول ما يلفت في الخطاب السياسي اللبناني هو الاستخدام المكثّف لثنائية “نحن وهم”، لكن هذه الثنائية غالبًا ما تأخذ طابعًا طائفيًا أو هوياتيًا أكثر منه سياسيًا. فكل زعيم يقدّم نفسه بوصفه حامي الجماعة من تهديد خارجي أو داخلي من التهميش، أو من الهيمنة، أو من فقدان الحقوق. وهكذا يصبح الخوف من الآخر عنصرًا مركزيًا في الخطاب، ليس بالضرورة عبر التصريح المباشر، بل عبر التلميح المستمر إلى المخاطر الوجودية. في هذا السياق، تتحول السياسة من تنافس على البرامج إلى صراع على الأمان الجماعي. كما أن البرامج السياسية والاقتصادية تفقد أهميتها بظل التهديد الوجودين ولن يسال أحد القائد الخطيب عما فعله لتحسين أوضاع الناس أو كيف تعامل مع الفساد أو لماذا تفاهم مع الآخرين الذين يدوهم “هم” في السابق من أجل الوصول إلى السلطة.

وفي مقابل الخوف، يُبنى عنصر الأمل، لكنه غالبًا أمل محدود ومشروط بالحفاظ على الحقوق واستعادة الدور أو حماية الكرامة. فالوعود الكبرى بالإصلاح الشامل أو التحول الاقتصادي تظهر في الخطاب العام، لكنها تتراجع عمليًا أمام خطاب أكثر واقعية في نظر الجمهور، يقوم على فكرة الحماية أكثر من فكرة التغيير.

ومن السمات البارزة أيضًا الاعتماد على السرد بدل الأرقام. كثير من الخطابات تستحضر قصص الحرب، أو ذكريات التهميش، أو تجارب تاريخية تُستخدم لإضفاء معنى سياسي على الحاضر، من ضمنها ذكرى الشهداء والتضحيات والإبعاد القسري. الماضي في الخطاب اللبناني ليس مجرد ذاكرة، بل مصدر شرعية، وأداة لتفسير الأزمات الحالية. وهكذا تُختصر القضايا الاقتصادية أو المؤسسية المعقدة في روايات جماعية عن الظلم أو الصمود أو الانتصار.

كما يعتمد الخطاب السياسي على لغة بسيطة ومشحونة رمزيًا كلمات مثل الكرامة والوجود والشراكة والاستهداف لتحمل وزنًا عاطفيًا كبيرًا. والتكرار المستمر لهذه المفردات يرسّخ إطارًا ذهنيًا يرى من خلاله الجمهور الأحداث السياسية، بحيث تصبح كل أزمة دليلًا جديدًا على السردية الأصلية. أما من حيث استثارة المشاعر، فيحتل الخوف والقلق موقعًا مركزيًا، خاصة في ظل الانهيار الاقتصادي وعدم الاستقرار. فالخطاب يربط بين التغيير والمخاطرة، وبين الاستمرار والاستقرار النسبي. وفي أوقات الأزمات، يميل كثير من السياسيين إلى تقديم أنفسهم كـضمانة أو كـصمام أمان، مستفيدين من ميل المجتمعات القلقة إلى البحث عن الحماية أكثر من البحث عن البدائل.

ويظهر أيضًا بوضوح تبسيط الواقع المعقّد. فالأزمة الاقتصادية، مثلًا، تُختزل أحيانًا في مسؤولية طرف سياسي أو فئة معينة أو عامل خارجي واحد، بدل تقديم تحليل بنيوي متعدد الأسباب. هذا التبسيط يمنح الجمهور تفسيرًا واضحًا وسريعًا، حتى لو كان غير كافٍ لفهم حجم المشكلة.

ولا يقل أهمية عن مضمون الخطاب بناء الصورة الشخصية للزعيم. في لبنان، تلعب الزعامة دورًا محوريًا، حيث يُقدَّم القائد بوصفه وريثًا لتاريخ، أو ممثلًا للجماعة، أو صاحب علاقة شخصية بالناس. الخطاب هنا يتداخل مع شبكة الخدمات والرعاية، بحيث تصبح المصداقية مرتبطة بالعلاقة المباشرة، لا بالبرنامج السياسي فقط.

وأخيرًا، يُستخدم الغموض كأداة سياسية. كثير من المواقف تُصاغ بعبارات عامة أو مزدوجة المعنى، تسمح بالحفاظ على توازنات دقيقة بين تحالفات متغيرة وجماهير مختلفة. هذا الغموض لا يعكس ضعفًا بقدر ما يعكس طبيعة نظام قائم على التسويات المستمرة.

في المحصلة، يعكس الخطاب السياسي في لبنان واقعًا اجتماعيًا وسياسيًا قائمًا على القلق والهشاشة وتعدد الولاءات. وهو خطاب يركّز على إدارة الخوف والانتماء أكثر مما يركّز على السياسات العامة، وعلى الحماية أكثر مما يركّز على الإصلاح. وفهم هذه الآليات لا يساعد فقط على قراءة السياسيين، بل يفتح نافذة لفهم العلاقة المعقدة بين المجتمع والدولة في بلد يعيش منذ سنوات في حالة أزمة دائمة.

الوراثة السياسية

ولا يكتمل فهم بنية الخطاب السياسي في لبنان من دون التوقف عند ظاهرة أساسية تشكّل جزءًا من الثقافة السياسية نفسها، وهي الوراثة السياسية أو انتقال الزعامة داخل العائلات. فالتوريث في لبنان ليس مجرد حالة استثنائية، بل آلية مستقرة لإعادة إنتاج القيادة، تؤثر في طريقة بناء الخطاب وفي طبيعة العلاقة بين الزعيم وجمهوره.

في هذا السياق، لا يُقدَّم الزعيم الجديد عادةً بوصفه شخصية سياسية مستقلة، بل بوصفه امتدادًا لتاريخ عائلي أو لرمزية سابقة. الاسم العائلي يصبح في ذاته رأس مال سياسيًا، يحمل ذاكرة جماعية من الحماية أو التمثيل أو الدور التاريخي. وهكذا يتحول الخطاب من عرض برنامج إلى استدعاء إرث كتضحيات الأب وحضور العائلة أو مكانتها في لحظات مفصلية من تاريخ الجماعة. هذه الوراثة تؤدي وظيفة نفسية وسياسية في آن واحد. ففي مجتمع يعاني من عدم الاستقرار، يميل الجمهور إلى البحث عن الاستمرارية والوجوه المألوفة. الاسم المعروف يختصر عنصر الثقة، ويقلل من شعور المخاطرة المرتبط بالتغيير. لذلك، يُبنى الخطاب حول فكرة الاستمرارية لا القطيعة كنكمل المسيرة ونحافظ على النهج ونصون الإرث. الاستقرار الرمزي يصبح بديلاً عن اليقين السياسي.

كما تعزز الوراثة من الطابع الشخصي للسياسة. فالزعامة لا تُفهم فقط كموقع مؤسسي، بل كعلاقة شبه عائلية بين القائد وجمهوره. الخطاب هنا يميل إلى اللغة العاطفية مثل الوفاء، الأمانة، الثقة، وردّ الجميل. وفي كثير من الأحيان، تُقدَّم العلاقة وكأنها علاقة رعاية متبادلة، حيث تحمي الجماعة زعيمها كما يحميها.

لكن لهذا النمط من الزعامة أثر مباشر على مضمون الخطاب نفسه. فحين تستند الشرعية إلى الإرث أكثر مما تستند إلى الكفاءة أو البرنامج، يميل الخطاب إلى التركيز على الرمزية والهوية بدل السياسات العامة. كما يصبح التحدي الأساسي للزعيم الوريث ليس تقديم رؤية جديدة، بل إثبات قدرته على الحفاظ على الموقع داخل توازنات دقيقة، ما يعزز لغة الحذر والغموض والتدرج.

وتؤدي الوراثة السياسية أيضًا إلى إضعاف فكرة التداول القيادي داخل الجماعات نفسها. فالمنافسة لا تكون بين أفراد داخل البيئة الواحدة بقدر ما تكون بين عائلات أو زعامات تاريخية. وهذا يعمّق الطابع الزبائني للسياسة، حيث تُدار العلاقات عبر شبكات الولاء والخدمات، ويصبح الخطاب جزءًا من منظومة أوسع تقوم على التمثيل الشخصي لا المؤسسي.

ومع ذلك، فإن استمرار هذا النمط لا يعود فقط إلى رغبة النخب في الاحتفاظ بالسلطة، بل يرتبط أيضًا بتوقعات اجتماعية. ففي ظل ضعف المؤسسات وغياب الثقة بالدولة، تميل الجماعات إلى الاستثمار في الزعامة الشخصية باعتبارها مصدر حماية ووساطة. التوريث هنا يبدو، بالنسبة لكثيرين، خيارًا أقل مخاطرة من المجهول.

في النهاية، يكشف حضور الوراثة السياسية في لبنان أن الخطاب لا يُبنى فقط على تقنيات التأثير اللغوي أو العاطفي، بل على بنية اجتماعية عميقة تجعل الزعامة أقرب إلى مؤسسة عائلية منها إلى موقع سياسي مؤقت. وضمن هذه البنية، يصبح تأثير الخطاب مرتبطًا بقدرة الزعيم على الجمع بين عنصرين أساسيين: استدعاء الماضي بوصفه مصدر شرعية، وتقديم الاستمرارية بوصفها وعدًا بالأمان في واقع لا يزال يتسم بالهشاشة وعدم اليقين.