رغيد النحّاس – سدني
في أعقاب الهجوم المروّع في بونداي، تحرّكت الطبقة السياسيّة الأستراليّة بسرعة غير معتادة لإقرار ما بات يُعرف باسم تشريع مكافحة معاداة الساميّة والكراهية والتطرّف. غير أنّ السرعة ليست مرادفًا للجدّية، كما أنّ ما يكون ملحًّا لا يمكن أن يكون بديلًا عمّا هو واضح. ما نتج عن ذلك هو حزمة تشريعيّة تبدو أقرب إلى فعلٍ رمزيّ أو استعراضيّ منها إلى قانون متماسك، وأقرب إلى الحسابات السياسيّة منها إلى الصرامة القانونيّة، في وقت نحن فيه أحوج ما نكون إلى الدقّة والاتساق.
صدم هجوم بونداي المجتمع الأستراليّ. ومثل هذه اللحظات تتطلّب بطبيعة الحال طمأنةً وحزمًا ومسؤوليّةً من قبل الحكومة. لكنّ التاريخ يعلّمنا أنّ القوانين التي تُصاغ تحت ضغط الصدمة العاطفيّة والاستغلال السياسيّ كثيرًا ما تُلحق أضرارًا طويلة الأمد بالحرّيات المدنيّة، دون أن تعالج فعليًا جذور العنف. وأستراليا مهدّدة اليوم بتكرار هذا النمط.
ولقد لمسنا مؤخّرًا بعض تبعات هذه القوانين التي أفسحت في المجال، حتّى لو قلنا بصورة غير مباشرة، في سوء تعامل الشرطة مع التظاهرة السلميّة التي تحتجّ على زيارة الرئيس الإسرائيلي.
أكثر ما يكشف طبيعة هذا التشريع لم يكن نصّه ذاته—الذي يُقال إنّه يمتد على مئات الصفحات—بل عجز كبار المسؤولين عن شرح تبعاته العمليّة بلغة واضحة ومباشر، حتّى لكأنّ الغموض صار سياسة.
في مقابلة مع كارل ستيفانوفيتش من القناة التاسعة، طُرح على وزيرة الخارجيّة بيني وونغ سؤال بسيط ومباشر: هل يمكن ملاحقة شخص أو جماعة قانونيًّا إذا قالوا إنّ إسرائيل ترتكب إبادة جماعيّة؟ لم يكن السؤال خبيثًا ولا افتراضيًا متكلّفًا، بل كان اختبارًا لمدى وضوح القانون. الجواب، للأسف، كان تمرينًا نموذجيًا في المراوغة.
بدلًا من الإجابة على مسألة حريّة التعبير، تحدّثت وونغ عن إلغاء التأشيرات، وتشديد قوانين السلاح، وصلاحيّات الوزير، وإفادات الأجهزة الأمنيّة. وعندما أُعيد السؤال بصيغة أوضح، رفضت “الدخول في افتراضات”. غير أنّ القانون، في جوهره، موجود تحديدًا لتنظيم الافتراضات قبل أن تتحوّل إلى ملاحقات وعقوبات. فإذا كان الإطار القانونيّ لا يمكن شرحه عبر أمثلة افتراضيّة، فهو ليس إطارًا قانونيًّا بقدر ما هو أداة تقديريّة مفتوحة.
الأمر نفسه تكرّر مع النائبة العامة ميشيل رولاند في مقابلتها مع ديفيد سبيرز على برنامج 7:30 في قناة ABC حين سُئلت عمّا إذا كان يمكن حظر جماعة تتّهم إسرائيل بالإبادة الجماعيّة، اكتفت بالقول إن “عوامل أخرى” يجب أن تتوافر—دون أن تحدّد بوضوح ما الذي لا يرقى إلى مستوى الحظر.
ومع كلّ محاولة لرسم خطّ فاصل بين الخطاب السياسيّ المشروع والسلوك الممنوع، كانت الإجابات تعود إلى حلقة مفرغة: إحالات إلى الأجهزة، إلى القدرة على التفسير، وإلى “صرامة القوانين”—وكلّها تأكيدات بلا مضمون محدّد.
هذه ليست مجرّد مشكلة أداء إعلاميّ. إنّها انعكاس خلل أعمق: فالتشريع نفسه يبدو قائمًا على مفاهيم مطّاطة، قابلة للتغيير تبعًا للسياق السياسيّ وضغط الرأي العامّ وتقديرات الأجهزة.
هذا النمط ليس جديدًا. فالتاريخ الحديث للديمقراطيّات الليبراليّة حافل بأمثلة لقوانين صيغت في أعقاب هجمات أو أزمات كبرى، بدافع الحاجة السياسيّة السريعة إلى “فعل شيء”، لا بدافع بناء منظومة قانونيّة متوازنة.
في أستراليا نفسها، أُقرت عشرات قوانين مكافحة الإرهاب بعد هجمات 11 أيلول وتفجيرات بالي، منحت السلطات صلاحيات استثنائية في الاحتجاز، والمراقبة، وتقييد الحركة والتعبير. وبعد سنوات، خلص المراقب المستقل لتشريعات الأمن القوميّ إلى أنّ كثيرًا من تلك الصلاحيات كانت فضفاضة، زائدة عن الحاجة، أو غير فعّالة، وتم لاحقًا تعديل بعضها أو إلغاؤه.
الأمر ذاته تكرّر في الولايات المتحدة مع قانون باتريوت، وفي بريطانيا مع تشريعات “منع الإرهاب”، وفي فرنسا مع قوانين حالة الطوارئ بعد هجمات باريس. في كلّ حالة تقريبًا، توسّعت صلاحيّات السلطة التنفيذيّة، وتراجعت معايير الحماية القانونيّة، واستُهدفت فئات بعينها بالاشتباه والمراقبة—بينما استمر العنف، وتبيّن لاحقًا أنّ معالجة أسبابه لم تكن قانونيّة بحتة، بل سياسيّة واجتماعيّة بالدرجة الأولى.
الدروس المستفادة واضحة: القوانين التي تولد من رحم الصدمة غالبًا ما تتحوّل إلى أدوات دائمة، تُطبَّق خارج سياقها الأصليّ، وتُستخدم لتقييد مساحات لم تكن يومًا مصدر الخطر الحقيقيّ.
في صلب هذا الالتباس يكمن فشل—وربّما فشل متعمَّد—في الحفاظ على فوارق جوهريّة، من بينها: الفرق بين معاداة الساميّة وانتقاد دولة إسرائيل، الفرق بين الخطاب السياسيّ والتحريض على العنف، الفرق بين الشعور الذاتيّ بالترهيب والمعيار القانونيّ الموضوعيّ.
إنّ خلط هذه المستويات قد يخدم أهدافًا سياسيّة آنيّة، لكنّه يقوّض سيادة القانون على المدى البعيد. فإذا بات توصيف دولة ما بأنّها ترتكب إبادة جماعية—وهو توصيف يُناقَش علنًا في المحاكم الدوليّة وتقارير الأمم المتّحدة ومنظمات حقوق الإنسان—قابلًا للتجريم تبعًا لما يشعر به طرف ما، فإنّ النقاش السياسيّ نفسه يصبح مشروطًا ومهدّدًا.
وهذا بالغ الخطورة في مجتمع متعدّد الثقافات مثل أستراليا، حيث لا يُفترض أن يكون الاختلاف تهديدًا للتماسك الاجتماعيّ، بل أحد أسسه. فالانسجام لا يُبنى بإسكات الأصوات المتنازعة، بل بحماية مساحة مدنيّة متكافئة تتيح الخلاف دون خوف.
من أكثر الجوانب المثيرة للقلق في هذا التشريع توسيع صلاحيات الوزراء في تصنيف “جماعات كراهية” بناءً على مشورة أمنيّة. لا شكّ في أهمّيّة المعلومات الاستخباراتيّة، لكنّها لا يمكن أن تحلّ محل معايير قانونيّة شفّافة.
الأجهزة الأمنيّة ليست محاكمًا. فهي لا تعمل وفق معايير الإثبات القضائيّ، ولا تخضع للاختبار العلنيّ أو اختبار التعارض. وحين تحلّ السلطة التنفيذيّة التقديريّة محلّ الوضوح القضائيّ، نفقد القدرة على التنبّؤ، وهذا نقيض العدالة.
كما يثير القلق تقديم هذه القرارات بوصفها “غير سياسيّة” لمجرّد أن زعيم المعارضة يُحاط علمًا بها. فإشراك المعارضة لا يُزيل الطابع السياسيّ، بل يوسّع دائرة المسؤوليّة ويُضعف المساءلة.
لعلّ أكثر الجوانب حساسيّة—وأقلّها تداولًا علنًا—هو التأثير الواضح لجماعات ضغط منظّمة يظهر أنّ ولاءها الأساس مرتبط بدولة أجنبيّة. لا شكّ أنّ الضغط السياسيّ مشروع في أيّ ديمقراطيّة، لكن حين يبدو التشريع مصمَّمًا لحماية دولة بعينها من النقد السياسيّ، فإنّ مسألة السيادة تفرض نفسها بقوة.
لا يجوز أن يتحوّل النظام القانونيّ الأستراليّ إلى أداة رديفة لفرض الحساسيّات السياسيّة أو العاطفيّة لأيّ دولة أجنبيّة، مهما كان تاريخها أو مآسيها. فالولاء يجب أن يكون للقانون الأستراليّ، وللمواطنين الأستراليّين، ولمبادئ العدالة الكونيّة.
لا يعني هذا كلّه إنكار وجود معاداة الساميّة أو التقليل من خطورتها. فهي واقع يجب التصدي له، ومحاسبة من يمارسه حين يتحوّل إلى تحريض أو عنف—تمامًا كما يجب التصدّي للإسلاموفوبيا، والعنصريّة ضد السكان الأصليّين، وسائر أشكال الكراهية.
لكنّ هذا التشريع يُفوّت فرصة القيام بذلك على نحو سليم. فبدل التعريفات الواضحة، يقدّم غموضًا. وبدل الطمأنة العامة، يزرع الالتباس. وبدل تعزيز التماسك الاجتماعيّ، يهدّد بتعميق انعدام الثقة، خصوصًا لدى جماعات تشعر أصلًا بالتهميش أو بالإسكات السياسيّ.
في لحظات الصدمة الوطنيّة، تُقاس الحكومات لا بمدى صخب أفعالها، بل بعمق تفكيرها. فالقانون ينبغي أن يهدّئ، ويُوضّح، ويحمي—لا أن يومئ، ويُربك، ويُخيف.
أستراليا تستحقّ ما هو أفضل من تشريع لا يستطيع واضعوه أنفسهم شرحه بوضوح.
رغيد النحاس دكتور في العلوم، وموظّف متقاعد. أستراليّ من أصل سوريّ-لبنانيّ. كاتب بالعربيّة والإنكليزيّة وناشر ومحرّر ومترجم.

