التحقيق الذي نشرته منظمة العفو الدولية في 1 أيلول/سبتمبر 2025 لا يمكن قراءته كتوثيق حقوقي فقط. سياسياً،
إلى مستوى مسؤولية لقوات حكومية وتشكيلات مرتبطة بها.
وهناك فرق استراتيجي شاسع بين المصطلحين.
اولا تفكك احتكار العنف
السلطة السورية اليوم تقوم على احتكار استخدام القوة. عندما تظهر مقاطع موثقة تُظهر عناصر بزي عسكري أو أمني، بعضها يحمل شارات رسمية، تنفذ إعدامات علنية، فنحن أمام أحد احتمالين سياسيين:
إما قرار مركزي سمح بذلك.
أو فقدان سيطرة حقيقي على وحدات تعمل بإسم هذه السلطة او الدولة.
وفي الحالتين، الرسالة تفيد وبشكل قاطع إلى اهتزاز قوي في مركز السلطة.
إعلان وزارة الدفاع عن مجموعة مجهولة ترتدي زياً عسكرياً لا يخفف سياسياً من الثقل بل يضيف سؤالاً أخطر..
من يملك القرار الميداني فعلياً؟
ثانيا السويداء ليست هامشاً
السويداء كانت دائماً عبر التاريخ منطقة ذات خصوصية سياسية، ولم تكن ساحة صدام مفتوح واسع مع السلطة المركزية. أي انفجار فيها يحمل بعداً رمزياً مضاعفاً.
إن نمط الاستهداف الطائفي الذي مارسته حكومة الأمر الواقع على المكون الدرزي، حوّل المعادلة من صراع
نفوذ محلي إلى أزمة ثقة وطنية.
ما أدى إلى اختلاف جذري في خطاب الشارع في السويداء من دعم مشروع حماية مسلحة أو إدارة ذاتية
إلى إعلان استقلال كامل. ولو كان الاستقلال يحتاج إلى اعتراف دولي علني، حيث أن المجتمع الدولي يميل إلى الحفاظ على وحدة الدول القائمة، إلا ان الانهيار الحاصل اليوم ووجود تدخل دولي شبه مباشر في المنطقة الجنوبية يجعل من الاعتراف بحق تقرير المصير على الأقل مشروعاً مطروحاً ومسوغاً.
ثالثا البعد الإقليمي
لا يمكن فصل ما جرى عن عاملين:
دخول القوات الحكومية تحت شعار استعادة الاستقرار. و
الغارات الإسرائيلية التي استهدفت آليات عسكرية في اليوم ذاته.
هذا يعني أن السويداء أصبحت ربما نقطة تماس غير مباشرة في صراع إقليمي أوسع.
وهنا يتحول أي خطأ ميداني إلى مادة اشتعال مضاعفة.
- خطاب الكراهية وتوسّع الشرخ
تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في ايلول من العام الماضي يشير إلى تصاعد خطاب معادٍ للدروز بعد أحداث تموز. سياسياً يعني هذا أن هناك عنفاً رمزياً يبني أرضية خصبة قد تؤدي إلى انفجارات لاحقة.
خصوصاً وأن السلطة لم تنتج حتى اللحظة تحقيقاً شفافا ونتائج ملموسة، ما يعني أن أي توتر مستقبلي سيبدأ من مستوى أعلى من عدم الثقة إذا كانت موجودة أصلا.
خامسا تداعيات دولية
تقارير بهذا المستوى من التوثيق تُستخدم بقوة في:
ملفات عقوبات، مداولات أممية، تقييمات لجوء في دول أوروبية.
بمعنى آخر، حتى لو لم يحدث تغيير داخلي فوري، الصورة الخارجية للدولة تتأثر.
والسياسة الخارجية اليوم تُدار بالسمعة بقدر ما تُدار بالقوة.
بإختصار.
ما جرى في تموز 2025 ليس مجرد حادث أمني. هو اختبار لثلاثة أمور وهي، هل تستطيع الدولة السورية اليوم ضبط أدواتها المسلحة؟
هل تستطيع احتواء أزمة ثقة مع أقلية متمركزة جغرافياً؟
هل تملك القدرة على إنتاج مساءلة حقيقية بدل إدارة أزمة إعلامية؟
إن فشل الدولة في هذه النقاط، سيصل حتما إلى نتيجة واحدة ألا وهي التآكل البطيء في الشرعية داخلياً.
والتآكل البطيء أخطر من الانفجار السريع، لأنه لا يُرى إلا بعد أن يصبح واقعاً.
السويداء اليوم ليست مجرد منطقة جنوبية. طالما كانت مقياس حرارة للتماسك السوري كله. إلا أنه من الواضح أن الأوان قد آن لتغيير المعادلة كاملة ورسم خطوط جديدة في الجنوب السوري.

