عاد من لندن،

وفي جيبه تقر

طبي مختوم باسم

 

The Royal Marsden Hospital،

ذلك المستشفى الذي تعلّم كيف يقول الحقيقة بهدوءٍ بريطاني صارم:

”سرطان في مرحلته الأخيرة.”

لم يخبر أحدًا.

لم يُرِد شفقةً ولا نصائح.

قال فقط لمن سأله:

”اشتقت للموصل.”

عند دخوله المدينة، لم يذهب إلى بيت أقارب،

ولم يطلب عنوانًا محددًا.

استأجر سيارة أجرة من أول الشارع.

فتح الباب وجلس في الخلف، كأنما يعود إلى مقعدٍ قديم في ذاكرته.

قال للسائق بهدوء:

”أريدك أن تبقى معي اليوم.

سأدفع لك.

خذني حيث أطلب… ولا تسأل الآن.”

نظر السائق في عينيه، ورأى شيئًا يشبه الوداع.

هزّ رأسه:

”على راحتك.”

أول محطة: مدرسته الابتدائية.

توقفت السيارة أمام ساحة واسعة مزدحمة بالسيارات.

لوحة معدنية تعلن: موقف سيارات خاص.

نزل ببطء.

مشى فوق الإسفلت كما لو كان يمشي فوق ذاكرةٍ ملساء أزيلت عنها الكلمات.

”هنا كان الصف الرابع…

وهنا كنا نصطف صباحًا…

وهنا خبأتُ أول نص كتبته.”

أغمض عينيه.

سمع جرس المدرسة في داخله.

فتح عينيه…

لا جدران.

لا سبورة.

لا شجرة.

فقط إسفلت.

عاد إلى السيارة دون أن يتكلم.

المكان التالي.

المحطة الثانية: البيت.

لم يكن بيتًا.

كان فجوة في الأرض، وبقايا جدران مثقوبة.

قال له جار قديم:

قُصف أيام التحرير… مات من كان يسكنه. لا أحد بقي ليطالب بتعويض.

اقترب من الركام.

التقط حجرًا صغيرًا ووضعه في جيبه.

”هنا كانت غرفة أمي.

وهنا كان أبي يقرأ.

وهنا حلمتُ أن أغادر… لأعود أقوى.”

جلس قليلًا.

بكى بصمت.

ليس على البيت،

بل على أنه لم يعد هناك من ينتظره.

المحطة الثالثة: المقبرة.

الأمطار والسيول كانت قد أزاحت أجزاءً من القبور.

شواهد مائلة.

أسماء نصفها مطموس.

وقف عند قبر أبيه.

مسح اسمه بيده.

”سامحني يا أبي…

ظننت أن الغربة تضحية مؤقتة.

لم أعرف أنها قد تصير وداعًا طويلًا.”

ركع قليلًا.

ثم عاد إلى السيارة.

المحطة الرابعة: المقهى.

لم يجد المقهى.

في مكانه سوبر ماركت صاخب.

عربات تسوق كبيرة.

أطفال يركضون.

وقف طويلًا عند المدخل.

”هنا كنا نلتقي…

لا إنترنت… لا فضائيات… كانت ممنوعة.

كانت المقاهي هي نادينا الاجتماعي.

زاوية المتقاعدين.

زاوية الشعراء.

زاوية الرياضيين.

وزاوية العاطلين الذين يلعبون الدومينو حتى المساء.”

ابتسم بحزن.

”كنا نختلف… لكننا كنا نرى بعضنا.”

دخل لحظة… ثم خرج.

المحطة الخامسة: متحف المدينة.

المكان الذي عمل فيه سنوات قبل الهجرة.

الآن بوابة حديدية وشعار حزب نافذ يعلو الواجهة.

حراسة عند المدخل.

سأل:

”أين المتحف؟”

أجابه الحارس:

”نُهبت آثاره. قُصف مرات. ثم أُعيد ترميم المبنى… وصار مقرًا رسميًا.”

وقف خلف البوابة.

تذكر التماثيل الآشورية.

المخطوطات.

الأطفال الذين كان يشرح لهم معنى الحضارة.

”كنا نحرس الذاكرة هنا…

والآن من يحرسها؟”

لم يُسمح له بالدخول.

لم يُجادل.

عاد إلى السيارة.

مع الغروب، قال للسائق:

”خذني إلى المستشفى.”

توقف أمام إحدى المستشفيات الخاصه في الموصل.

التفت إلى السائق أخيرًا:

”الآن يمكنك أن تسأل.”

قال بصوتٍ هادئ:

”أنا أحمل الجنسية البريطانية.

لديّ تأمين صحي بريطاني يغطي علاجي حتى خارج حدود بريطانيا.

لم أرد أن أموت هناك.

أردت أن أودّع هنا.”

صمت لحظة.

”كل مكان أخذته إليه اليوم… كان جزءًا مني.

أردت أن أراه قبل أن أذهب.”

دفع للسائق أجر يومٍ كامل.

”شكرًا لأنك بقيت.”

في الأيام التالية، كانت شركة التأمين البريطانية تتكفل بأجور علاجه.

لم يكن المال مشكلة.

كان الوقت هو المشكلة.

طلب فتح النافذة في غرفته.

”أريد أن أسمع المدينة.”

في الليلة الأخيرة، كان صوته خافتًا:

”قولوا للمهاجرين…

لا تؤجلوا العودة.

فالمدن تتغير.

والمتاحف تُنهب.

والبيوت تُهدم.

والمقاهي تُستبدل.

وأنتم تظنون أن الذكريات ستبقى محفوظة.”

رحل قبل الفجر.

تكفلت شركة التأمين البريطانية بمصاريف المستشفى…

ومراسيم الدفن أيضًا.

دُفن في الموصل،

وفي جيبه حجر صغير من ركام بيته.

ومنذ ذلك اليوم،

كل سائق أجرة يتذكر رجلاً طلب منه:

”ابقَ معي اليوم… وسأدفع لك.”

لم يكن يبحث عن طريق.

كان يبحث عن وداع.