في النقاشات العامة داخل المجتمع الأسترالي، تتكرر الأسئلة كلما تداخلت القضايا الدينية أو السياسية مع النظام العام وراحة الناس. فالمجتمع الذي يقوم على سيادة القانون والتعددية الثقافية يواجه أحيانًا مواقف حساسة تختبر قدرته على تحقيق التوازن بين حرية التعبير من جهة، وحماية الأمن والنظام العام من جهة أخرى.

 

شهدت مدينة سيدني مؤخرًا، في 9 فبراير 2026، توترًا أمنيًا أثار جدلًا واسعًا في الأوساط السياسية والدينية والإعلامية، وذلك بالتزامن مع زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ، الذي جاء للمشاركة في فعالية رسمية لمواساة أبناء جاليته المفجوعة بعد عملية إرهابية نفذها متطرفون إسلاميون في 14 ديسمبر 2025 أسفرت عن مقتل 15 شخصًا من الجالية اليهودية.

تزامن الحدث مع  تجمع آلاف المتظاهرين المؤيدين لفلسطين احتجاجاً على زيارة الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لأستراليا. مما ادى الى مواجهات عنيفة ورفع بعضهم شعارات اعتبرها آخرون مسيئة أو مستفزة واحتجاجات واسعة مع الشرطة، وبحسب ما تم تداوله، حاول بعض المحتجين تنظيم مسيرة دون الحصول على ترخيص مسبق، فطلبت الشرطة منهم ان يتفرقوا فقطعوا الطريق لتأدية الصلاة ما أدى إلى احتكاك مع الشرطة التي تدخلت لتفريق التجمع وتأمين الطرق، خصوصًا في ظل وجود حدث رسمي يتطلب ترتيبات أمنية مشددة.

 

هذا المشهد أعاد إلى الواجهة نقاشًا قديمًا يتجدد في كل مناسبة مشابهة: أين تنتهي حرية التعبير وأين تبدأ مسؤولية الحفاظ على النظام العام؟ فالقانون الأسترالي يكفل حق التظاهر والاحتجاج السلمي، لكنه في الوقت نفسه يفرض شروطًا تنظيمية واضحة، من بينها الحصول على التصاريح اللازمة وعدم تعطيل الطرق و تعريض سلامة الآخرين للخطر. لذلك، عندما تجري مسيرة أو تجمع من دون ترخيص، فمن الطبيعي أن يتدخل القانون وأن تتصرف الشرطة وفق صلاحياتها.

 

ويرى بعض المراقبين أن ما حدث يبرز التحدي الحقيقي الذي تواجهه المجتمعات التعددية: كيف يمكن حماية حق الأفراد في التعبير عن آرائهم، حتى عندما تكون مثيرة للجدل، من دون أن يتحول ذلك إلى فوضى أو تعدٍّ على حقوق الآخرين؟ في المقابل، يشدد آخرون على أن احترام القوانين والإجراءات التنظيمية هو الضمانة الأساسية لاستمرار هذه الحريات، وأن تجاوزها يضعف الثقة بالنظام ويهدد السلم الاجتماعي.

 

في نهاية المطاف، لا يبدو الجدل مرشحًا للانتهاء قريبًا، إذ إن قضايا السياسة الدولية والصراعات الخارجية أصبحت جزءًا من النقاش الداخلي في دول كثيرة، ومنها أستراليا. لكن ما يجمع معظم الأطراف هو الإقرار بأن التوازن بين الحرية والنظام ليس خيارًا ثانويًا، بل هو أساس الاستقرار في أي مجتمع ديمقراطي.

 

الدولة هنا مطالبة بأن تخاطب الشعب بوضوح وصراحة، بعيدًا عن الغموض أو التفسيرات المتضاربة. السؤال بسيط ومباشر: هل يُسمح بقطع الطرقات وأداء الصلاة فيها دون سابق انذار أم أن ذلك مخالف للقانون؟ إن كان مسموحًا، فالمتجمعون لم يرتكبوا مخالفة. أما إن كان غير مسموح، فمن واجب الشرطة أن تتصرف وتطبق القانون على الجميع دون استثناء.

 

المشكلة الحقيقية ليست في الحدث نفسه، بل في وضوح القاعدة القانونية. وهنا يعود السؤال الجوهري: هل هذا السلوك قانوني أم لا؟ الناس تريد إجابة صريحة: لأن غياب الوضوح يفتح الباب للاجتهادات والاتهامات بازدواجية المعايير. المطلوب من الجهات المسؤولة أن تعلن موقفًا واضحًا ومحددًا، حتى يعرف كل فرد ما له وما عليه، ويأخذ كل إنسان حقه ضمن إطار القانون، وإنهاء هذا الجدل البيزنطي العقيم، الذي قسم السياسيين والشعب، والذي لا يخدم المتظاهرين ولا البلد الذي لجأوا اليه والذي قدم لهم ما لم تقدمه لهم اوطانهم من أمان وحقوق و عيش كريم. إذن المطلوب موقف قانوني واضح يضع حدًا للالتباس ويحفظ حقوق الجميع.

 

حفظ الله أستراليا، هذه البلاد البعيدة جغرافيًا والبعيدة عن الصراعات والتقلبات السياسية، وعن بركان الشرق الأوسط الذي لا يهدأ. حفظها وطنًا لا تُنْقَل إليه حروب الآخرين، ولا تُزرع فيه بذور الكراهية والانقسام، بل تبقى استراليا وطناً آمنًا يتسع للجميع، وأرضًا للسلام والاستقرار لكل من لجأ اليها بحثًا عن حياة آمنة وكريمة.