قبل خمسين عاماً ، يوم الأحد 18 كانون الثاني 1976كان اقتلاع جزء من لبنان وسلخه عن ذاته. وفي مثل هذا اليوم منذ خمسيسن عاماً ، أشرقت الشمس للمرة الأخيرة على الجية والدامور بكامل سكانهما قبل أن تقتلعهما جرافة المؤامرة وقوى الأمر الواقع.
ونهار الاثنين 19 كانون الثاني سنة 1976 ، تجمّع معظم سكان الجيّة والدامور في قصور السعديات وكان عددهم يناهز العشرين ألفاً، وكان الموت من أمامهم والبحر من ورائهم. لا ماء، لا دواء، لا طبابة . لا شيء سوى أزيز الرصاص ودوي القنابل.
ورسم المكتظون في السعديات لوحةً مأساوية، فلا مأوى يتسع لهم ولا طعام يكفيهم وحتى لا أمل يخلّصهم من هذه المعاناة. فمن امرأة حامل إلى رجلٍ عجوزٍ إلى طفل مريض إلى كل مشاكل لبنان وفلسطين والشرق الأوسط مجتمعة في قصور السعديات.
وفي السعديات نزف المرحوم جميل حاتم حتى الموت بسبب غياب ادنى مقومات العلاج وكان أصيب على الطريق العام في الجية برصاصة قناص وكان يرافقه المرحوم يوسف سليمان القزي ( مراد) ليضاف اسمه الى لائحة شهداء البلدة وما أكثرهم.
نعم ، إنها المسافة الأقصر بين الحياة والموت.
ومنذ صباح ذلك اليوم، بدأ الناس يتوجهون عبر مراكب صغيرة أو سباحة الى بواخر كبيرة في عرض البحر تنقلهم الى مرفأ جونية فيما القذائف والصواريخ تنهمر على رؤوسهم..
ولا ننسى أن هناك أشخاصأً وصلوا الى الحوض الخامس من السعديات على متن قارب مخلّع طوله متران ونصف المتر.
ومساء ذلك النهار وبعد مساعٍ من المحامي فايز القزي مع منظمة التحرير، وصلت المرأة العجوز حنّة زوجة جريس مسعود القزّي سيراً على الأقدام لتخير أبناء الجية أنه باستطاعة من يشاء منهم أن يتوجّه برّاً نحو بلدة جدرا.
و المؤسف أن بعض من توجّهوا جنوباً تعرّضوا للخطف على حاجز فلسطيني على مفرق النبي يونس ثم نقلوا الى مدينة صيدا، وهم: سليم سعيد القزي. جوزيف داوود حاتم. وجوزيف جورج البستاني
كما توجهت عائلات كثيرة الى الدبية ومنها عائلة المرحوم موريس مخايل القزي الذي توفي هناك بسكتة قلبية.
ومن مرفأ جونيه كان نزيف التهجير والكرامة يتمدّد عبر توزيع المهجرين على مراكز كالسجون، إنطلاقاً من الأشرفية وسن الفيل وصولاُ الى منتجع “لا روشيل” في بعشتا، مروراً بأوتيل الصفرا ومستشفى وثانوية جبيل والتجمع السكني للرهبانية المارونية ومدرسة راهبات الوردية، والفورسيزن في حالات والتاماري والبلاطة في المعاملتين وصربا-جونية ، صعوداً الى عجلتون وريفون وفيطرون والقليعات وعشقوت وحراجل.
يقول الأباتي بولس نعمان في مذكراته: “وفيما كنت أواكب العسكريين في عملية نقل المهجرين بحرًا من السعديات، كان الأباتي بطرس قزي مع آباء دير الكسليك، وبخاصة الأب يوحنا تابت والأب بولس قزي، يتولون استقبال أبناء الدامور، وتقديم الشراب الساخن وبعض الطعام والألبسة الدافئة لهم، إضافة الى المعاينة الصحية في إحدى قاعات نادي اليخوت قبل انتقالهم الى الجامعة. في حين كان الأب مرتينوس سابا يواكب تأمين أمكنة موقتة لاستقبالهم، وبخاصة في مدارس وأديرة منطقتي كسروان وجبيل. ولا أزال أذكر بكثير من التأثر مشهد الزوارق التي كانت تحمل الناس من شاطئ السعديات الى العبّارة، لأنها لم تكن قادرة على الاقتراب من اليابسة ومشهد الناس الذين كانوا يأتون سباحة إلينا في الماء البارد، في عز الشتاء، وكيف أن الخوف والبرد والجوع والتعب والألم واليأس قد بلغت منهم حد الانهيار.”
ومن المهجرين من تعرض لإطلاق النار كما في مهنية عجلتون ، ومنهم من رميت أغراضهم الى الخارج كما في جبيل وآخرون اضطروا الى النوم في العراء كما في غزير.
بعد أسابيع بدأ القاطنون في معظم هذه المراكز بالتوجه الى النبعة التي كانت بيوتها فارغة آنذاك واختار بعضهم شققاً أقاموا فيها.
الذين توجّهوا الى جدرا ،عادوا بعد اسبوعين الى الجية ليجدوا منازلهم مهدمة أو محروقة ورغم ذلك ، قرروا الإنطلاق من الصفر والبقاء في بلدتهم.
وبعد أسابيع بدأت عودة تدريجية للذين كانوا في “المنطقة الشرقية” وراحت الجية تعود الى حالتها الطبيعية ..
وفي حزيران سنة 1982 خلت الجية من معظم سكانها بسبب دخول الجيش الإسرائيلي اليها ( الصورة) ..
الى أن كان التهجير الكبير باتجاه استراليا مع سقوط الإقليم في 28 نيسان 1985 .
اليوم هناك دامور في كندا واخرى في لبنان.
كما أن هناك جية في أستراليا وأخرى في لبنان والجسور بينهما شبه يومية.

