ما يؤكد عدم بقاء الغزاويين على ارضهم هو ما جرى في لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض، مع الرئيس الاميركي رونالد ترامب في الرابع من شباط 2025، وما يقوله ترامب ينفذه، حينها طرح الاخير مقترحا لإنهاء الحرب في غزة وحلحلة القضية الفلسطينية، والتي تلخصت آنذاك، في ترحيل الفلسطينيين من قطاع غزة إلى مصر والأردن، تحت غطاء ما وصفه بالدوافع الإنسانية مبرراً خطته بأنها تهدف لإنقاذ الفلسطينيين من جحيم غزة، ونقلهم إلى حياة أكثر رفاهية واستقراراً لهم، في ظل ما وصفه بـالدمار الواسع الناتج عن الهجمات الإسرائيلية، بعد عملية طوفان الأقصى في 7 تشرين الأول 2023.
في المقابل تضمنت رؤية الرئيس ترامب تحويل قطاع غزة إلى وجهة سياحية عالمية تطل على البحر الابيض المتوسط أطلق عليها اسم “ريفييرا الشرق الأوسط –
Riviera of the Middle East
مع التركيز الأساسي على إخلاء القطاع بالكامل من سكانه تمهيداً لإعادة تشكيله عمرانيا واقتصاديا. اقترح ترمب في ذلك الوقت ترحيل ما يزيد على مليوني فلسطيني إلى كل من مصر والأردن. من هنا يبدو المشروع واضحاً، غير أن المقترح قُوبل برفض عربي ودولي واسع باعتباره تطهيرًا عرقياً. علاوة على ذلك رفضت مصر والاردن ترحيل الفلسطيينين واستقبالهم على اراضيهما.
على إثر ذلك، جرى الحديث عن بدائل في إفريقيا، لايجاد وطن بديل للفلسطينيين بعيدا عن مصر والأردن اللذين رفضا الخطة الأميركية. خلال شباط 2025 ظهرت تقارير عن مناقشات أميركية-إسرائيلية مع بعض دول في شرق أفريقيا من بينها السودان، الصومال وارض الصومال غير المعترف بها دوليًا، لبحث إمكانية استخدام أراضيها كوجهات محتملة لإعادة توطين فلسطينيين شُرّدوا من قطاع غزة، مقابل حوافز دبلوماسية مالية وأمنية.
السودان أعلن رفضه القاطع لأي فكرة من هذا النوع، بينما قالت الحكومة الصومالية إنها لم تتلقَّ اتصالات رسمية بهذا الشأن. أما بالنسبة لإقليم أرض الصومال، فنُقل عن وزير خارجيتها عبد الرحمن طاهر آدم في آذار 2025 أن حكومته منفتحة على مناقشة استقبال سكان من غزة، مقابل الحصول على اعتراف دولي باستقلال “صوماليلاند” كدولة ذات سيادة وفتح تمثيل دبلوماسي للدول الراغبة في التعاون.
بعد الدمار الكلي الذي حل بقطاع غزة، وتنفيذ سياسة الارض المحروقة فيها من قبل اسرائيل، لم يعد في هذا القطاع شيء قابل للحياة، اصبح الغزاويون محاصرين جنوباً على الحدود الجنوبية الموازية لمعبر رفح. لا سقف فوق رؤوسهم، يموتون جوعاً عطشاً ومرضاً، متمسكين ببقائهم بأرضهم و متأملين بعودتهم الى منازلهم وفق خطة اعادة اعمار غزة. لكن على ارض الواقع، هذا الحلم لن يتحقق، فاسرائيل لم تدمر غزة لاعادة اعمارها، هي التي اعتادت بجرافات الجيش الاسرائيلي ان تهدم منازل الفلسطينيين لتوسيع اراضيها من خلال بناء المستوطنات لجذب المهاجرين اليهود من مختلف أنحاء العالم واعادتهم الى اسرائيل التي تعتبرها ارض الميعاد للسكن فيها.
في أواخر ديسمبر كانون الاول 2025، اعترفت إسرائيل رسميًا، لتكون أول دولة، باستقلال أرض الصومال في خطوة أثارت ردود فعل إقليمية ودولية واسعة. انها الدولة الوحيدة المستعدة لاستقبال أهالي غزة، وهو إقليم انفصالي عن الصومال أعلن استقلاله من جانب واحد في 1991، وله حكومته ونظامه، لكنه غير معترف به دوليًا كدولة مستقلة حتى الآن. كما تعتبر من أفقر دول العالم ويقطنها نحو 5.7 مليون نسمة، غالبيتهم مسلمون سنّة شافعية، ويتحدثون الصومالية والعربية والإنجليزية.
ما كان يجري سرًا يُراد له الآن أن يصبح أمرًا رسمياً. عندها تكون اسرائيل قد ضربت عصفورين في حجر واحد. من جهة اسرائيل تريد ان تنهي حرب غزة وتفرغ القطاع من اهله بعد محاصرتهم، فترحّلهم الى ارض الصومال تحت ما يسمى الهجرة الطوعية، الاستسلام جراء حصار دام سنتين ولخطورة الوضع الانساني مع انعدام مقومات الحياة. ومن جهة اخرى إقامة قواعد عسكرية لإسرائيل لاهمية الموقع الجغرافي لارض الصومال على باب البحر الأحمر وخليج عدن، حيث تطل على مضيق باب المندب، أحد أهم ممرات التجارة العالمية، مما يمنحها القدرة على مراقبة حركة الملاحة العالمية وتأمين أو تهديد الملاحة، وما يجعل منها موقعًا ذا أهمية استراتيجية لإسرائيل وشركائها، وهو سبب آخر وراء تعزيز العلاقات معها.
باختصار شديد: ما يجري هو مشروع تهجير مقنّع يهدف إلى تفريغ قطاع غزة من سكانه وتصفية القضية الفلسطينية، ومن يقدر على خطف رئيس دولة مثل فنزويلا من عقر داره، لن يعجز عن تنفيذ مخططه.

