بقلم د. نجمة خليل حبيب
عن موقع الشاعرة سوزان عون

شرفتُ مجدداً وللمرة السادسة، بكتابة نقديّة عن مجموعتي الشِعريّة الثانيّة (ليلى حتى الرمق الأخير) من الدكتورة الأديبة الناقدة

نجمة حبيب، الأستاذة في جامعة سيدني.
أشكركِ جزيل الشكر سيدتي الكريمة والأستاذة البارعة والتي عرفت كيف تغوص في أعماق هذه المجموعة الشعرية وتقرأ لنا ما خفي بين السطور.
“كان الحب حاضراً في الحياة الإنسانية عبر التاريخ، فهو الدافع للكثير من الإبداعات الفنية الكبرى، وفيه تجلت خصال إنسانية عميقة، وفيه كُتِبَت أشعار وقصص وروايات وملاحم.
وخلال تاريخ الإنسانية وجدت حالات من الحب صارت حاضرة بشخوصها وأحداثها وتواريخها، وبعض هذه الآثار الأدبية تحولت إلى فنون السينما، والتلفزيون والمسرح والتشكيل والرقص.
ومن يعرف التاريخ الأدبي العالمي سيذكر روائع أدبية خلدت مفهوم الحب وأحداثه. ولا غرو في ذلك، فلغة الحب هي لغة العواطف والأحاسيس المنفلتة من العقل لأنها أعمق منه، وتسمو عليه لأنها أرفع من المنطق والقوانين”.
ومنذ أواسط القرن العشرين صار الحديث عن الحب والعشق في الشعر العربي أوسع من أن يُصَنّف. وإنه لمن نافل القول أن نزار قباني هو شاعر الحب الأول عند العرب في القرن العشرين، وأنه كان واضحاً في التعبير عن الحب والعشق دون مواربة أو تخفٍّ وراء الاستعارات، وكان غزله نظيفاً نقياً خالياً من البذاءة والإسفاف.
* * * * *
تنتمي قصائد ديوان «ليلى حتى الرمق الأخير»، للشاعرة سوزان عون، في معظمها إلى هذا النمط الوجداني النظيف النقي الذي لا وجود فيه لمعابثة أو سوقية.
وفيه تعتمد الشاعرة على محسنات بلاغية فيها جدة وإبداع وخروج عن المألوف حيث جاء العنوان جملة اسمية حُذِف مبتدأُها، فحرّض هذا الغموض المتلقي/المتلقية على الولوج في جسد النص، حتى إذا أتى على القصيدة التي تحمل اسمه تكشفت له/لها مغاليقه.
وتفصيل الأمر أن في جسد القصيدة التي تحمل اسم الديوان بيت من الشعر تقول فيه الشاعرة «فأنا ليلى حتى الرمق الأخير”.
وهكذا يتم المعنى بقولنا أنا ليلى. وليلى هنا هو الاسم الجمعي للمرأة العربية العاشقة والمعشوقة حبيبة قيس ابن عمها المتآمرة معه ضد تقاليد قبيلتها. هي المرأة المظلومة التي حُظِر عليها حبيبها وزوجت لغيره كي لا يقال في حقها الأقاويل.
أما الديوان، فيدور، حسب رشا غانم/ دكتورة النقد في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، في محورين تصدرت المحور الأول قصيدة «قرابين العشق» التي تبدأ بضمير المتكلم معلنة ثورة على كل القيود التي كبلت أحاسيس المرأة.
ثورة ترى فيها الرجل نداً، ليس هو رأسها كما تقول الكنيسة الكاثوليكية، ولا هي ضلع مأخوذ من صدر آدم كما تصنفها الأسطورة التوراتية، بل ثورة شاعرة متمردة عادلة تريد أن تصحح مسار التاريخ وتعيد للمرأة ما كان لها قبل أن يُحَجِّمها الذكر دون انتقام أو اقتناص لكرامته.
وهي قادرة على ذلك فهي تملك الموهبتين: ملكة الإبداع، وملكة اللغة: ويخفُّ غموض العنوان عندما نعلم أن المبتدأ المحذوف هو ضمير المتكلم أنا، «أنا ليلى حتى الرمق الأخير»، جملة خبرية فيها عزم وتحد وإصرار على بلوغ الهدف.
وهدف سوزان عون حسب ما حدده الناقد يحيى السماوي/ هو تحرير المرأة من ربقة السلطة الذكورية التي تبقيها جرماً صغيراً ليس له إلا أن يدور حول شمس الرجل.
ولكن قراءتنا أسفرت عن وجود حيزٍ واسعٍ من الديوان «للوجدانيات» عبّرت فيه عن أحاسيسها تجاه الحبيب بصدق دون اللجوء إلى التستر أو إخفاء المشاعر، وبعيداً عن الزيف والتصنع، والتكلف:
وأسعى نحو قلبك
كفراشة شدّها النور
وأمرر يدي على سنابل
نمت من صبرٍ
وأينعت من هوى
ألمسها كقلب غمره الحب فنما
يتضرع للأرض خصوبة ومواسم
وتأرجحه النسائم
فتميل به كدخان لربيع فاخر
خذ من يدي حفنة من حب، وخذ معه أريجاً لا ينضب. (ص. 31-32)
قصيدة على قصرها، تختصر رؤية الديوان معنى ومبنى. فهي موضوعاً، تعبّر عن حالة حب تعيشها بطلة القصيدة، تبوح بمشاعرها إزاء حبيب مجهول بألفاظ مبتكرة لها دلالات تختلف عن معناها القاموسي، وتستخدم صوراً شعرية مستجدة لم يمجّها الاستعمال. قصيدة تتسم بالجرأة، إذ أنّ المتعارف عليه في مجتمعنا العربي «أن المرأة عندما تعشق تصمت”.
وإن وجد من تغزلن من النساء في الأدب العربي، فهن من علية القوم كالعبّاسة أخت الخليفة هارون الرشيد التي «وقعت في غرام خادمٍ لديها كانوا ينادونه «طل»، فسلبَ جماله لبَّها وفاض بها الهيام وخرج له وافر الشعر من قلبها المتيم» وولادة بنت الخليفة المستكفي التي ولعت بشاعر البلاط ابن زيدون. « كانت أديبة شاعرة، جزلة القول، حسنة الشعر، وكانت تخالط الشعراء، وتساجل الأدباء، وقد عمرت طويلاً، ولم تتزوج قط.
وفي العصر الحديث هناك عدة شاعرات تغزلن بالرجل بكل ما في قلوبهن من عاطفة وبشجاعة فائقة، ومنهن: لميعة عباس، نازك الملائكة، سعاد الصبّاح، فدوى طوقان،فاطمة الدرديري وغيرهن. وسوزان عون ليست إلا واحدة من هؤلاء الشاعرات الجريئات اللواتي غردن خارج السرب فتغزلن بمن أحببن.
على مستوى المبنى نحت الكاتبة منحى حداثياً فانتقلت باللغة من كونها شيئاً ثابتاً محددا إلى كونها بؤرة من الاحتمالات، وخرجت المفردة اللغوية عن قاموسيتها، أي من كونها علامة ثابتة الدلالة إلى كونها طاقة إيحائية وبؤرة دلالية تشع في جسد النص إمكانات متعددة، مشربة إياه بهذه التعددية، وخالقة حول نفسها شبكة من الترابطات والدلالات التي لا يمكن أن تختصر إلى الدلالة القاموسية الواحدة. وإذ نبدأ فبالمقطع الأول من قصيدة «قرابين العشق”:
“أدنو من أزاهير الحضارات
كطير نبت له ألف جناح
يرتوي من غدران باردة
لن تهزمه طلقة عمياء
ولن تصم آذان الفجر بنحيبها أوترتعد
سأعاود الرقص من جديد». (ص 15-18)
لن نتمكن البتة من فهم الصورة الشعرية باعتماد المعنى القاموسي للفظة، فالكلمات انزاحت عن معانيها وتخلى كل شي عن مفهومه الواقعي والطبيعي والمادي. الشيء الوحيد الذي بدا ثابتاً ويمكن أن يعتمد عليه لفهم الصورة هو صوت الشاعرة التي تقوم بفعل الدنو، أما ما بعده فكل شيء يحتاج إلى تأويل.
فالحضارات خرجت عن مفهومها القاموسي وكُنّيَ عنها بنبتة في رأسها زهرة، تغري الشاعرة بقطافها كمثل ما يغري الثمر الناضج البستاني بالقطاف. وتثور في نفس الشاعرة شهوة المعرفة فترى نفسها طيراً خارقاً له ألف جناح تستطيع أن تغرف من كل حضارة سبقتها باكورة ما فيها.
وفي قولها «لن تهزمه طلقة عمياء» دلالات كثيرة، فالطلقة العمياء هنا هو فعل (عمل) حذف فاعله الصياد، وهذا الصياد هو الرجل التقليدي، (أب أخ، زوج، عم، خال . . ) الذي يريد أن يحجم المرأة ويحصر معرفتها في حدود ما يخدمه فقط.
أما الفكرة الرئيسية للصورة فقد جاءت في البيت الأخير من المقطوعة «سأعاود الرقص من جديد”.
صورة شعرية تهزج بالفرح متحدية طلقات الصياد، أو لعله نبع المعرفة الذي لا يتوقف نهم مريده/ مريدته عن التوق إليه. نهم ما أن ترتوي منها حتى تعاود الشاعرة رغبة الارتواء. ولن يخيفها هياج التقليديون العميان فغضبهم وذمهم وحتى رجمهم لن يثنيها عن غايتها، بل سيحرّضها على العبور بفرح لقطف «أزاهير الحضارات”.
مثل آخر على تعالق المعنى والمبنى نراه في قصيدة «المسرح باهت» حيث تكون الأنثى هي الوالِهة الذائبة عشقاً، المشتاقة لضمة وعناق، السعيدة بالانهزام في معبد الحب، المستعدة لبذل أقصى ما لديها من إغراءات للوصول إلى الحبيب:
أتحسس ملامحك المنقوشة على جدار قلبي
آهٍ ما أوجعها وألف آهٍ ما أجملك
وأهٍ تخرج معها زفرات الروح شوقاً
لضمة وعناق ما التمست الروح قدسيةٌ مثلهما
فُكَّني من قيد العدم، حرر أوردتي
أطلق دمي من خلايا الوحدة
وبعدها احبسني في عينيك لحظة،
فلا أريد غيرها
ازرعني شعاعاً أحمرَ أو شعاعاً
. . . . .
اهزمني ..
فالهزيمة بين يديك علّوٌ وانتصارٌ
سأغرز إغرائي فيك بكلً ما أوتيت من أنوثة،
وأتقلّب بين ناظريك كهاربة مجرّدة من أوراقي. (25-26)
وللأنبياء ومحبة الذات الإلهية، كما للغربة، والتوق إلى الوطن الأوّل، مكانة في قصائد الديوان.
وأهمها قصيدة «ليوسف» وفيها تحاكي الشاعرة الأسطورة التوراتية برؤية مستجدة تناسب العصر الحديث.
ولعله من المفيد أن نذكّر، أن شخصية النبي يوسف حظيت بتوظيف متعدّد المستويات في الشّعر الحديث، وقرأها الشّعراء قراءات إبداعيّة متنوّعة تخدم النّصّ الّذي وجدت فيه، فقد وردت في الشعر الحديث عند كثير من الشعراء نذكر منهم: محمود درويش ومحمّد حلمي الرّيشة وفاطمة نزّال وسلطان القيسي وغيرهم.
ولعلّ أبرزها قصيدة درويش «أنا يوسف يا أبي» التي حازت على شهرة واسعة عندما غنّاها الفنّان اللّبناني مارسيل خليفة، واشتعل حينها الجدل حول شرعيّة تلحين ما ورد في القصيدة من نصّ قرآنيّ، ومن ثَم غناؤه.
لقد عمد درويش إلى استعارة بطل القصّة الدّينية ليكون رمزاً للفلسطينيّ الّذي تشتّتَ في المنافي وضاق به ذرعاً إخوتُه العرب، وهنا كان الشّاعر محكوماً بفكرة خاصّة، مبرزاً التّشابه بين قصّة النّبيّ يوسف وقصّة العذاب الفلسطينيّ إلى حدّ التّطابق التّامّ ليصبح الفلسطينيّ يوسف العصر الحديث، فقد مرّ به على نحو استعاريّ متطابق كلّ ما مرّ بيوسف، من المكيدة حتّى الوقوع في الجُبّ، لكنّه لم ينج كما نجا يوسف، ولم يصبح مؤتمناً على خزائن القمح بل انفتح النّصّ على المأساة الّتي لم تنته إلى الآن.
لقد كان درويش يعمّق التّجربة الإنسانيّة ويستخلصها للفلسطينيّ، لتأخذ بعداً شاملاً يتجاوز الذّات الفرديّة إلى الذّات الجماعيّة، فيكفي أن تكون فلسطينيّاً لتكون يوسف.
أما «ليوسف» سوزان عون فتتخذ منحى آخر، فهي تعيد كتابة القصة دون إسقاطاتٍ تاريخية أو اجتماعية أو وطنية. تحادث النبي بندية: تنصحه، تطيب خاطره، تخفف عنه ألم التهمة الكاذبة، وتطلب منه أللّا يلقي بالاً للمكيدة وأن يتبع قلبه كلما تاهت به الدروب:
أيها الملك، الجب خاوي الوفاض
والسقاية ضاعت بين رَحْل مسافرة
اصبر على علة السرقة
فما فرطّتُ بيوسف ولا بالجب
هي مكيدة من كواكب حرّضتِ السماء
فلا طواف ولا هديّ
هو وزيري الذي راود الحكايا
وانشق رداء السكون والمواسم حائرة
ألا تحاور تلك الخيالات
التي تدور حولك كمزارِ مقدّس؟
فإن تاهت بك الدروب
إتبع قلبك ولن تتوه. (19-20)
بلاغياً اتبعت الشاعرة في هذه القصيدة، أسلوب المحاكاة. والمحاكاة حسب حازم القرطاجني، «تقوم على أنّ قوام الشعر ليس الصدق أو الكذب، بل هو التخييل، وأن أفضل الشعر ما كانت محاكاته جيدة، وشهرته قوية، وصدقه واضحًا، وكذبه مخفيًّا، واقترب من الغرابة».. أما محاكاة سوزان فقائمة على الصدق، وليس غير الصدق، ولو أن قوامها التخييل الذي لعب في إعادة صياغة القصة دون المساس بجوهرها.
الغربة والاغتراب في قصيدة «ترنيمتي اليك”
الغربة هي احساس الإنسان بالحنين إلى الوطن بعد أن يكون قد هجره/ته بسبب الحاجة أو القمع، حاملا صوراً في مخيلته على شكل ملامح جمالية، وحكايات حب طفولية، وذكريات حلوة ومرة تأبى النسيان.
وحين يجتمع الاغتراب مع الغربة في شخص واحد، أي حين يكون الشخص المعني قد شعر بالاغتراب في الوطن قبل الرحيل عنه، وشعر بالحنين للوطن بعد هجره والابتعاد عنه، فإن الشعور الجديد يغدو حالة نفسية غير مستقرة تعيش حياة تنقلٍ دائمة بين أمكنة وأزمنة متباعدة بحثاً عن وطن بديل.
ولكن سوزان عون المغتربة التي تعيش في بلدٍ أمن لها الأمان والعيش الكريم، لا تستحضر من وطنها الأصلي لبنان إلا جميل الذكريات، ولا تعتريها إلا مشاعر اللوعة والحنين إليه، إلى سمائه الزرقاء وحقوله المليئة بمواسم الحصاد:
أحلم بأجراس مدينتي تقرع في ليالي اللقاء،
ترفع الغربة عن صدر متعطش لحضن الوطن.
تصدر أصواتاً كأنها أغرودات
المشتاقات لحبيب تأخر.
هذا نحن يا وطني، لا زلنا تلك السفن
التي تحنُّ لمرافئك يوماٍ ما.
نحلم بسمائك الزرقاء، خالية من غيومٍ سوداء.
نرنو لحقولك المترعة بمواسم الحصاد.
نبتسم لزهرات متوردات حانيات.
هذا نحن يا وطني. (33)
​​​​* * * * *
اتبعت سوزان عون في ديوانها «ليلى حتى الرمق الأخير» قصيدة النثر الحديثة التي مكنتها من قول رؤيتها متحررة من قيود النظم والوزن والقافية، وعوضت عن ذلك باعتماد الجرس الموسيقي للنص، وباللجوء إلى تكثيف المعنى اللغوي والحالة الشعورية. وقد بينت قراءتنا للديوان ، أن الشاعرة تتمتع بموهبة شعرية خلاقة، وبقدرة على تفجير اللغة، فأخرجت بذلك المفردة عن قاموسيتها.
أي من كونها علامة ثابتة الدلالة إلى كونها طاقة إيحائية وبؤرة دلالية تشع في جسد النص إمكانات متعددة.
نجمة خليل حبيب
سدني أستراليا
20/12/2023