د.ماري سكر

في العبارة أن لبنان، الوطن، ذو هوية استثنائية، مسألةموضع إشكال، ليس فقط من جانب دول اخرى، بل في نظر الكثيرين من أبنائه. بدليل أنك تجد لبنانيين يستقلون بمشاريعهم وطوائفهم ومؤسساتهم وأموالهم وسلاحهم عن الدولة والبلد. وهذا قلّما يحصل في دولة مستقلة. بل هو إن حصل يعدّ خيانة في أي بلد آخر، وفي مقدمها البلدان التي يتقدم الولاء لها من جانب بعض الجماعات والاحزاب اللبنانية، على الولاء للبنان، وكما حصل أو يحصل منذ أن تشكّل الكيان اللبناني.عندنا، الطائفة او الزعيم هو اولاً، ولبنان آخراً. هذا بالطبع يجعل الاستقلال معلّقاً، بقدر ما يجعل مشروعية الدولة او هوية البلد او وجود الوطن، محل تشكيك او التباس لكشف ما هو مسكوت عنه، مما هو محجوب وممنوع او مرجأ وممتنع. المسكوت عنه، في هذا المعنى، يُلغِّم المعلن والمطروح من القضايا والمطالب. ولذا فإن العمل عليه بتعرية أسسه أو تفكيك بنيته وشبكة علائقه يكشف ما تنطوي عليه التوجهات والمشاريع من الهشاشة والادعاء او ما تؤول اليه من المفارقات والفضائح في العقل والسلوك. وليس الغرض من هذا التناول الإدانة، بل الانخراط في المناقشات الدائرة، علّ ذلك يساهم في فتح امكانات جديدة للتفكير والتدبير تفضي الى ايجاد مخارج من المآزق التي تضعنا فيها هواجس الطوائف وشرطة العقائد وسياسات الهوية الموتورة التي تعيدنا الى نقطة الصفر بصورة مفاجئة ودورية، بقدر ما تعيد إنتاج الانقسام وممارسة الاختلاف على نحو سلبي او وحشي، وبصورة تتهدّد الوحدة الوطنية او التركيبة المجتمعية. من هنا يشكّل الكلام على الاختلاف بداية الكلام، بقدر ما يشكّل الكلام علىنعمة الأختلاف لأن مجتمعه منسوج او مركّب من تعدد الطوائف والجاليات. واللبنانيون مختلفون على الاساسيات اكثر مما هم مختلفون على الفرعيات والثانويات. فهم منقسمون حول مرجعيات المعنى ومصادر المشروعية بقدر ما هم مختلفون حول الشخصيات التاريخية والرموز الجمعية. وهم مختلفون على هوية لبنان بقدر ما هم مختلفون حول القضايا المصيرية، بالرغم من الخطاب الهش والمخادع حول الوحدة الوطنية.
والاختلاف سيف ذو حدين. قد يكون نعمة، وقد يتحول لعنة، وذلك بحسب طريقة التعاطي معه، اي بحسب ادارته وتوظيفه او تصريفه وتحويله.
فالاختلاف هو الذي صنع للبنان ميزته وجعل منه استثناء في العالم العربي. إذ هو ساهم في خلق شروط لقيام نظام سياسي ديموقراطي أو نظام اقتصادي ليبيرالي. وهو الذي أتاح ممارسة حرية التفكير والتعبير التي يتمتع بها اللبنانيون ويحسدهم عليها اكثر العرب الذي يعيشون في مجتمعات مغلقة او في ظلّ حكومات ديكتاتورية. هكذا، فالديموقراطية اللبنانية الموروثة من الانتداب الفرنسي هي ثمرة التوازن الطائفي، كما أن ممارسة الحرية هي ثمرة ضعف الدولة وهشاشتها. وتلك هي المفارقة. فميزة لبنان هي علّته في الوقت نفسه. في هذا المعنى ليس اللبنانيون أكثر تعلّقاً بالحرية من سواهم من العرب. فحريتهم هي محصلة تركيبتهم الطائفية. ومن حسن الحظ أن أصحاب المذاهب والاحزاب العلمانية واليسارية، أو القومية والوطنية، او الدينية والاسلامية، لم يصلوا الى حكم لبنان.
هكذا، فالاختلاف هو نعمة، في زمن السلم خصوصاً، بقدر ما يثمر انفتاحاً وحرية او تنوعاً وتفرّداً او غنى وابداعاً. غير أن للظاهرة وجهها الآخر. فالتعدد يجعل الانتماء الطائفي لدى اللبناني يغلب على انتمائه الوطني، فبقدر ما يجعل الدولة أسيرة منطق الطوائف التي تمارس وصايتها على لبنان، بقدر ما تتصرف وكأن الدولة ملكها وحدها او لا وجود لها. من هنا ثمة رؤساء بالجملة في لبنان مما لا وجود له في أي مكان. هذا الامر يساهم في زعزعة الاستقرار السياسي بقدر ما يجعل القرار موضعاً للمنازعة والمحاصصة بين ممثلي الطوائف ورؤسائها حول توزيع المناصب والمكاسب لكن الاختلاف يمكن أن يتحول نقمة اذا ما تمّ التعامل معه بعقلية القوقعة والمعسكر. عندها يولّد التعصب والانغلاق والتطرف. وقد ينفجر صراعات دموية وحروباً اهلية تمزق الوحدة وتعمّق الفرقة بين الطوائف او داخل كل طائفة، كما أثبتت التجارب ،من هنا فإن اندلاع الحرب اللبنانية لا يُفسَّر تفسيراً اقتصادياً وحيد الجانب، أي بسبب الفقر والحرمان،فاللبنانيون كانوا قبل الحرب ينعمون بمستوى من العيش يحسدون عليه، تماماً كما كانوا يحسدون على مساحة الحرية التي يتمتعّون بها. ولا يعني ذلك أن لبنان كان فردوساً. بالطبع كان هناك فقر وتهميش وإقصاء. ولكن ذلك لم يكن يكفي لتفجير الاوضاع لولا الشحن الايديولوجي و الثوري التحرّري ذو الولاءالخارجي من جهة، ولولا العامل الفلسطيني من جهة اخرى؛ فضلاً عن الانقسام الوطني بسبب الخلاف الطائفي
هذا الانقسام يُعاد انتاجه اليوم في شأن القضايا المهمة والمصيرية. فاللبنانيون الذين انقسموا من قبل حول العلاقة مع اسرائيل، هم منقسمون حول العلاقة مع المحيط العربي السوري أو الأيراني-السعودي الأقليمي او مع القوى العظمى والدول الفاعلة، كما هم منقسمون حول الحكومة والمقاومة والمحاصصة، او حول البيان الوزاري والمجلس الدستوري…
mariesuccar.63@gmail.com