للطرقاتِ ذاكرتُها التي تعيدك إلى أبجدية الحزن وتوهج الروح
عبد الوهاب طالباني
للطرقات ذاكرتها
للطرقات ذاكرتها ، ولها خلجاتها التي تحيي نوعا من الاحاسيس الدفينة في النفس التي تعيدك الى أبجدية الحزن و توهج الروح، هذا الطريق الطويل « وينزر رود» الذي سلكته اليوم إلى بلدة « وينزر» القديمة إحدى المناطق السياحية الجميلة القريبة من سيدني ، ومدينة الصباحات الندية ، أيقظ فيّ دنيا من المشاعرالمختلفة ، المحزنة منها و المفرحة ، وأحيت في ّ هسيسا من وجع الغربة … تذكرت أيام كنت أصعد نحو اعماق الجبال منطلقا من أربيل ثم إلى فاتنة مصائف كوردستان « حاجي ئومه ران» …
تبعد بلدة « وينزر» عن الحي الذي اسكنه حوالي 70 كيلومترا ، وعندما تتوجه الى تلك البلدة الجميلة وتخرج من الضواحي ، يكون جانبا الطريق دائما مكسوين بالاشجار ، وبمساحات خضراء على مدّ النظر ، وقد حاولت مرّة أن اخذ طريقا جانبيا ، لكنني ضعت ، ولولا مساعدة صديق بواسطة الهاتف لكنت أقضي وقتا طويلا للعثور على الطريق العام .
كالعادة أخذت لفة الكباب من مطعم «نوروز» في ضاحية فيرفيلد ، وقنينة الماء وتفاحة ، وصلت البلدة حوالي الظهر ، وقبل أن أدلف إلى الطريق الجانبي المؤدي إلى ضفة النهر لاوقف سيارتي في موقف صغير يسع فقط لعدد قليل من سيارات ، رأيت حشدا كبيرا من الناس في ساحة «طومسون» على الجانب الايسر من الطريق العام ، وسمعت موسيقى صاخبة ولافتات مرفوعة ، ومواطنين يلبسون الزي القديم للقوات البريطانية والبحارة ، أوقفت سيارتي ، وتنفست الصعداء لآني وصلت مكاني الاثير الذي عثرت عليه منذ سنين قليلة، والذي أرتاده دائما ، ولا استطيع تركه ، فهذا الموقع مكان جميل للتأمل ، وفي الجو المشمس الصافي ، رأيت أن الضفاف قد اخضرت تماما ، ومويجات النهر تعاكس شعاع الشمس البهية ، وباخرة على الرصيف يصعد اليها سواح صينيون ..
معترضون
صعدت إلى ساحة «طومسون» ، فعلمت أن التجمع قد دعت إليه هيئة من السكان ، تعارض مشروعا ، يرمي إلى هدم الجسر القديم وتشييد جسر جديد وتحويل ساحة «طومسون « الخضراء إلى بنايات ، لا ادري كيف ، ولكن أحسست أنني يجب ان أؤيدهم ، فالمشروع سيقضي على المكان الذي احببته أيضا ، وتقتلع الاشجار الكبيرة التي أعمار بعضها لا تقل عن مائة عام « حسب روايات السكان» ، كانت هناك خطابات شديدة اللهجة ، ولكن الموسيقى كانت ترطب الاجواء ، وعند جذع شجرة كبيرة معمرة، رايت قلبين ، رسمهما عشاق مروا بها ، كتبوا تحتهما بخط عميق « احبك للابد» …سيدة طاعنة في السن كانت واقفة بالقرب مني قالت : أراك مهتما بهذه الشجرة ؟ قلت : نعم لانها مهددة بالزوال و أفكر بالعاشقين اللذين كتبا هذه العبارة ..ربما يجتمعان مرة اخرى هنا ولا يريان ما كتباه..
فندق المدينة
ألذي يسترعي الانتباه في هذه المدينة هو بناياتها القديمة ، فالمدينة شيّدت في بدايات عام 1800 من قبل المستوطنين الاوروبيين الاوائل ، وقد بني أول نزل أو فندق للمسافرين فيها في عام 1815، وهو ما زال باقيا ويحتفظ بطرازه القديم الجميل ، ويرتاده أهل البلدة والسياح ، ويقدم أطباقا شهية من الطعام ، وفي ليالي العطلة الاسبوعية تقام فيه الحفلات الموسيقية التي تستمر إلى ما بعد منتصف الليل.
كنتُ قد اخترت زيارة البلدة يوم الاحد كعادتي ، لأن الشارع الرئيسي للبلدة يشهد سوقا سياحية ، وإذا أردت الاستمتاع بزيارتها فيجب أن تأتيها يوم السبت أو ألاحد ، ويأتيها الناس من مناطق سيدني الاخرى والسياح أيضا ، حيث تنصب محلات موقتة تعرض فيها أنواع عديدة من الانتيكات و ومختلف المعروضات من ملابس ، أدوات تجميل نسائية ، لوحات ، مصنوعات يدوية ،آلات موسيقية ، كتب و شعر مستعار «باروكات نسائية» ..إلخ.
بالقرب من نصب الناعور الذي يتوسط الشارع إسترعى انتباهي سيدة مع زوجها كانا يبيعان لوحات فنية ، قالا إنهما يتمتعان بالسوق ، وأيضا يحصلان على بعض المال ، قلت : كيف إخترتم هذا النوع من العمل، إنكم تبيعون لوحات فنية رائعة حقا . قالت السيدة : أحسن ..انها تريح النفس.
وفي مكان آخر كان هناك رجل طاعن في السن يعرض صورا لأحد السدود وصورا قديمة أخرى للمنطقة مع كتابين قال:
– أنا مؤلف هذين الكتابين ..
وعندما تناولت أحد الكتب وحاولتُ أن انقل شيئا منه ، قال لي بلطف:
– إنك لا تستطيع أن تنقل شيئا من كتابي ، لي حقوق فيه..
رجعت الكتابين وقلت : عفوا حاولت فقط أن أعرف شيئا عن شخصك ، حينها قال :
– أكتبْ اسمي «ساول فيلكر مونرو « من مقاطعة «ويلز» مؤلف هذين الكتابين فقط ، عمري ثمانون عام ، عملت طول حياتي في البحرية التجارية الاسترالية إلى أن
تقاعدت .
بعدها سألني:
– أنت من اين ، أقصد من أية خلفية؟
– جنسيتي أسترالية وطني الام كوردستان
وبعد أن فكر قليلا قال:
– يعني أنت تركي …!!!
أدركت أن الامر قد إختلط لديه وعملية الشرح قد تستغرق وقتا طويلا ..
حينها مددت يدي له وصافحته وقلت :
– شكرا لوقتك مع السلامة ، أليوم الجو جميل جدا والسماء صافية..
وفي ركن آخر رأيت سيدة تبيع باروكات نسائية ملونة.. إبتسمت عندما قدمت لها نفسي وقالت أهلا بك ،قلت لها :
– ما قصة هذه «الشعور» الملونة التي تبيعينها ؟
– تعلم أن البنات والنساء الاوروبيات عموما يحبون أن يتزينوا بالباروكات الملونة خصوصا في المناسبات ، سوق هذه الباروكات رائجة ، وأنا سعيدة لأنني اقضي وقتا جميلا استفيد وأفيد.
وعندما صورتها فرحت كثيرا وقالت: هل سينشرون الصورة هناك؟ قلت : ربما ..
إقترب المساء ، هبّت ريح باردة ، رجعت الى سيارتي ، ألقيتُ نظرة اخرى على صديقي الاثير ، هذا النهر الهادىء في مجراه ، ألشاهد على حكايات الماء و وتفتح البراعم ومواعيد الغزل……
أما لفّة «نوروز» فقد نسيت أن آكلها ، وأكتفيتُ بالتفاحة.

سام نان صحفي وإعلامي مقيم في أستراليا، يعمل مترجماً للأخبار الأسترالية في جريدة التلغراف اللبنانية، حيث يتولى نقل وتحرير أبرز الأخبار السياسية والاقتصادية والاجتماعية من الإعلام الأسترالي إلى اللغة العربية.

