بقلم بيار سمعان

يمكن القول ان الكنيسة الكاثوليكية لديها خبرة واسعة في التعامل مع القضايا المتعلقة بالزواج والعائلة اكثر من اي مؤسسة اخرى على الارض. منذ ألفي سنة وهي تؤيد المفاهيم الثابتة حول الزواج على انه رباط مقدس بين رجل وامرأة، وهو رباط دائم يهدف الى تأسيس عائلة وانجاب الاطفال وتوفير افضل الرعاية لهم.
هذه المفاهيم تتعرض اليوم الى هجوم منظم ضدها، مما دفع قداسة البابا فرنسيس الى دعوة اساقفة الكنيسة لعقد سينودوس من اجل الزواج والعائلة. وتتجه اليوم انظار العالم ووسائل الاعلام الى روما لمتابعة ما سيؤول اليه هذا السينودوس.
ويطرح في وسائل الاعلام تساؤلات كثيرة حول امكانية تغيير هذه المفاهيم التقليدية التي حافظت عليها الكنيسة طوال الفي سنة.
في عظتين القاهما قداسة البابا قبل انعقاد السينودوس، حذر البابا فرنسيس ان تمارس الدول الغنية ضغوطاً داعياً الكنيسة ان تشمر عن ساعديها وتضمد جراح البلدان التي تحتضن الزواج منفردة.
من 4 الى 25 تشرين الاول سوف يعقد هذا السينودوس بمشاركة 300 من قياديي الكنيسة بحضور مجموعة من العلمانيين ومندوبي كنائس اخرى. هذا الاجتماع الذي جرى الاعداد له طوال سنتين سوف يناقش السبل الفضلى لمواجهة انهيار الزواج والعائلة قانونياً وثقافياً.
ورغم وجود تيارات داخل السينودوس تنقسم بين الليبراليين والمحافظين، فان ما يروج له في وسائل الاعلام هو مجرد تكهنات تسعى الى الاصطياد في الماء العكر واثارة مواضيع غير مبنية على حقائق.
ويعتقد مراقبون ان معظم المشاركين سوف يؤيدون نظرة البابا فرنسيس حول المخاطر التي تواجهها مؤسسة العائلة والى الاعتراف بالحقيقة المرة حول تفكك الاسرة في المجتمعات الغربية، دون التوقف عند البكاء على الاطلال والاعتراف بالفشل. أن الكنيسة التي تكتفي بالتبشير دون ان تعيش روح البشارة، هي كنيسة تواجه خطورة في عدم توازنها وموضوعيتها.
ولا بد من الاعتراف ان المجمع يواجه ايضاً معضلة اخرى تتعلق باقرار «مسار التوبة» والسماح بعودة المطلقين وقبول تزويجهم وقبولهم في المجتمع الكنسي وكيفية التعامل مع المثليين المرتبطين في علاقة مثلية؟
خلال صلاته مع المؤمنين في ساحة القديس بطرس، دعا البابا فرنسيس الحاضرين للدعاء الى الروح القدس وطلب مساعدته مؤكداً مرة اخرى ان العائلة هي المكان الافضل حيث يمكن ان نعيش قداسة البشارة في ظروف طبيعية واعتيادية، انها المكان المميز حيث نتعلم كيف نتعرف على خطة الله في حياتنا ونحتضنها بكامل الثقة. والعائلة هي المكان الوحيد حيث نحصل مجاناً على كل شيء. انها الاخوة الصلبة والوحدة حيث نتعلم كيفية التخلي عن ذواتنا وانانياتنا لقبول الآخرين. ومسامحتهم وقبول المسامحة منهم.
وذكر البابا فرنسيس مثال Charles De Foucauld  الذي استلهم اسرار العائلة المقدسة لينبذ الفراغ في حياته والثروة والسلطة لكي يدخل في خدمة الآخرين.
ولفت البابا فرنسيس في كلمته الى المؤمنين ان الدول المتطورة  والثرية تعاني مجتمعاتها من انخفاض في معدل الولادات والانتحار والتلوث الاجتماعي والبيئي. وتحدث البابا فرنسيس عن حالة الفراغ في قلوب وحياة الناس في العالم الحديث.
ولفت البابا فرنسيس اننا نختبر الآن نوعاً  من العولمة الجديدة، واصبحنا نعيش في عالم مليء بالقصور وناطحات السحاب لكنها تخلو من دفء المنزل وحياة العائلة. لدينا مشاريع ومخططات طموحة، لكننا نفتقر للوقت للتمتع بها. نمتلك الوسائل المتطورة للتسلية والترفيه لكننا تزيد في داخلنا عمق الفراغ. الملذات كثيرة حولنا، لكننا نعيش القليل من الحب. نعيش الكثير من الحريات لكننا نتمتع بالقليل من الحرية. عدد الناس الذين يعانون من العزلة والوحدة هم على تزايد، كما يرتفع ايضاً عدد من يجدون انفسهم مغموسين في الانانية والكآبة والعنف المدمر وعبودية اللذة والمال.
وشدّد البابا فرنسيس على الفراغ الروحي المتفشي في المجمعات الثرية. والمح  ان بلدان مثل المانيا قد تمارس ضغوطاً على السينودوس.
وذكّر المؤمنين في باحة القديس بطرس ان الله خلق الرجل والمرأة ودعاهما  للمشاركة في حياة سعيدة تقوم على التكامل والعيش معاً واختبار الحب، وان يكتمل حبهما لبعضهما البعض في ثمرة علاقتهما التكاملية من خلال الاطفال.
وشدّد البابا فرنسيس على نظرة السيد المسيح الى الزواج ومعارضته للطلاق موضحاً ان هدف العلاقة الزوجية هو ليس فقط العيش معاً مدى الحياة، لكن التحابب طوال الحياة… ونرى اليوم الناس يسعون وراء اللذة الجسدية ويدعونها زواج.
ودعا البابا فرنسيس الكنيسة لتقوم بدورها في الامانة والحق والحب. وهذا يعني معارضة الطلاق. فالكنيسة حسب رأيه مدعوة للدفاع عن وحدة وعدم فرط الروابط الزوجية لأنها نعمة من الله وعلامة له وتعبير  صريح على جدية المحبة في العلاقات الزوجية.
وهذا يعني ايضاً مقاومة وسائل منع الحمل والخيانة الزوجية والدفاع عن الحقيقة القادرة وحدها على حماية الافراد والبشرية جمعاء من فتنة الانانية العقيمة.
وباستخدام عبارته الشهيرة دعا البابا فرنسيس الكنيسة الى ان تكون «المستشفى الميداني» ابوابها مفتوحة لمن يقرع بحثاً عن الدعم والمساعدة والتواصل مع الآخرين عن طريق الحب الحقيقي.
فالكنيسة، كما قال، هي مدعوة ان تعلم وتدافع عن «القيم الانسانية»، دون ان ننسى ان «السبت خلق من اجل الانسان» وليس العكس، وان المسيح جاء من اجل الخطأة وليس من اجل الاصحاء.
ضمن هذه الاجواء وهذه الروحانية بدأت اعمال السينودوس من اجل الزواج والعائلة في مناخ من الحرية والشفافية.
فهل نحن امام تأكيد الثوابت ام اننا ندخل الحداثة من باب قبول الآخر مهما كانت ميوله الجنسية ومفاهيمه الخاصة، عملاً بقول المسيح: «انني جئت للخطأة»؟؟
لكن ما هو دور هؤلاء في عملية العودة الى الذات الايمانية بالمقابل؟
pierre@eltelegraph.com