بقلم بيار سمعان

للمرة الثانية نظمت جمعية Men having babies الاميركية معرضاً في بروكسل تحت عنوان لافت: تأجير الارحام، او انجاب اطفال بالوكالة. واقيم المعرض داخل فندق هيلتون في العاصمة البلجيكية وحضره ما يزيد على 220 رجلاً من المثليين من 12 دولة اوروبية يرغبون بانجاب اطفال بواسطة تأجير الارحام. اي ان تقوم امرأة بتأجير نفسها وقبول تلقيحها بالسائل المنوي الخاص برجل مثلي مقابل اجور تتقاضاها. وعند الولادة يمنح الطفل للرجل او للزوجين المثليين  على ان يقدما له الرعاية ويكوّنون معاً «عائلة».
وللمرة الاولى في ايامنا هذه تقدم الشركة لاشخاص راشدين ذكور، طفل نصف بيولوجي لأحد الزوجين. واستفادت الشركة الاميركية هذه من التجارب  والتقنيات التي اجراها اطباء الخصوبة في الولاياتالمتحدة واستخدموها في مزارع الخنازير لرفع مستوى الانجاب لديهم. واعتقد المسؤولون في الشركة  انه بالامكان استعمال هذه التقنيات لسدّ حاجة متنامية في بعض المجتمعات التي اقرت زواج المثليين وعدلت مفهوم العائلة. فزواج رجل بآخر او امرأة باخرى لا ينجب اطفالاً كونه مخالف للطبيعة.
ورأت ادارة الشركة ان سوقاً ضخمة هي قيد التكوين ويمكن، من ناحية تلبية الطلب وجني ثروات طائلة من تنظيم صناعة «انجاب الاطفال» عن طريق «تأجير الارحام» للمثليين او توفير السائل المنوي للسحاقيات  والنساء الراغبات بالانجاب دون الارتباط برجل.
كما بدأت تنظيمات داعمة لزواج المثليين بالترويج لهذه الخدمة داخل مجتمع المثليين والمتحولين جنسياً.
وتميّز المعرض بحسن التنظيم وتوفير المعلومات الضرورية، والاستعداد للإجابة عى جميع التساؤلات القانونية والاجتماعية والمالية. وشارك فيه مترجمون فوريون ولوائح اسعار لمختلف الحالات والمطالب وقام قانونيون بشرح ما هو مقبول وممكن وما هو مرفوض وصعب المنال… كل الامور التي تتوجه الى العقل وتدخل محفظتك بسلاسة كانت معدة بشكل محترف.
وجرى وصف «الأم البديلة» التي تؤجر رحمها انها منفتحة على الآخرين بطبيعتها وعلى استعداد للحمل لصالح شخص آخر او لزوجين آخرين مع التصميم المسبق على التخلي عن الطفل والقبول بمنحه للزوجين دون شروط عند تسديد الفواتير والرسوم المتوجبة بعد الولادة.
لكن بالواقع ان هذه العملية هي بكل بساطة مجرد تجارة. فالمرأة تتقاضى اجوراً للحمل طوال 9 اشهر ويدفع الطالب تكاليف المستشفى والرسوم المتوجبة للشركة. وينتهي دور الأم الحاضنة بالكامل عندما يولد الطفل وتوفي الشروط المتفق عليها.
ووضعت الشركة شروطاً تتحوّل بموجبها عملية الانجاب الى مجرد تبادل تجاري. فاطلق على المرأة المنجبة تعبير الوسيط «الناقل» او الحامل للجنين، والجهة المانحة للبويضة اصبحت «المساهمة الوراثية» . وقدمت بعض الجهات ضمانات حول صحة الجنين وتحديد جنسه.
ودعا المحاضرون الى عدم تبني الاطفال بل اللجوء الى الانجاب بالوكالة مع شرح احتمالات ان تحتفظ الام بالطفل بعد ولادته.
لذا ينصح المسؤولون في المعرض بأفضلية استخدام بويضة مختلفة عن بويضة الأم الوسيط، وذلك لسببين:
– الحد من التعلّق العاطفي لدى المرأة الوسيط
– رفع مستوى التدخل التقني من قبل اخصائيي الشركة والترويج للانجاب المختبري لاحقاً، وتتضمن الاتفاقية حوالي 50 صفحة يرد فيها شروطاً لمختلف الحالات، ومن ضمنها عدم دفع اجور الأم البديلة في حال لم تلتزم بالشروط ومنع المرأة من التحدث علانية عن الخدمة التي تقدمها او الصعوبات التي تمر بها خلال الحمل بعد تسليم الطفل لوالديه بالتبني.
وتتطرق الاتفاقية الى صحة الطفل وحتى الى تحديد جنسه. هذا الى جانب الشروط السرية وغير المنشورة خطياً، بل يجري التفاهم حولها وجهاً لوجه بين الفرقاء الثلاثة.
وخلال احدى المحاضرات سأل الطبيب: «من يفضل اجهاض الجنين في حال وجود اشكاليات صحية؟ فرفع جميع الحاضرين اياديهم دون استثناء . وهذه ظاهرة لافتة.
وجرى مناقشة امور مستقبلية تتعلق برغبة الطفل بمعرفة اصوله العرقية. وهنا تتعقّد الأمور نظراً لوجود اكثر من فريق ولتضارب القوانين بين بلد وآخر.
وتجنب المحاضرون التحدث عن الطفل وحقوقه المدنية والانعكاسات النفسية على شخصيته لاحقاً عندما يدرك كيفية انجابه ونوعية المحيط العائلي الذي نشأ في احضانه وهو لا ينتمي اليه ويفتقد عملياً لأحد الوالدين.
وعلّق احد خبراء علم الاخلاقيات انه ليس مقبولاً من الناحية الاخلاقية ان يقوم اشخاص بعمل يسيء الى آخرين. فانجاب طفل وحرمانه من معظم حقوقه ووضعه في بيئة غير طبيعية فيه اجحاف بحقوق هذا الطفل. وزاد قائلاً ان سكان بلجيكا التي شرعت منذ عقود مثل هذه التدابير تسيء الى حقوق الانسان في عقر دارها وعلى ارضها وضد شعبها.
< زواج المثليين والتصميم على انهاء العائلة
قد ينظر البعض الى هذه الظاهرة انها دليل لتطور الطب  ومؤشر على معالجة قضايا العقم ومساعدة ايجابية لمؤازرة الانسانية. وقد يكون في هذا الادعاء بعض الصحة اذا تدخل الطب لمساعدة الازواج الذين يواجهون صعوبة في الانجاب. لكن الترويج لظاهرة الانجاب بالوكالة وخلق بداية سوبرماركت بديلة عن العائلة يؤسس لظاهرة خطيرة على وحدة المجتمع وديمومة العائلة كما ألفناها، ودعم مباشر لظاهرة زواج المثليين والعمل على الحد من الانجاب وفرض مفاهيم واعراف جديدة تتعارض مع الإيمان الذي يوحي ان الله خلق الانسان ذكراً وانثى على صورته ومثاله ودعاهما للانجاب والتكاثر و«ان يملأوا الارض».
اليوم وبعد قبول عدد كبير من الدول المتطورة التي تقود العالم اقتصادياً وتقنياً وتفرض هيمنتها وثقافتها المادية الملحدة بمبدأ اعادة تحديد الزواج والاعتراف بزواج المثليين ووضعهم في نفس خانة العائلة، يعمل انصار زواج المثليين على معالجة ذيول وانعكاسات هذه التدابير الجديدة وهذا الواقع الاجتماعي غير المألوف ويتم ذلك بطرق عديدة ومنها:
– تعديل القوانين واعادة صياغتها لتقدم الحماية والمساواة، لا بل توفير الرعاية الفائقة للمثليين لكي ترغم المجتمعات على قبولهم والتماهي بهم.
– العمل على خلق جيل جديد لا يميز بين رجل وامرأة وتنزع من اذهان النشء فكرة الذكر والانثى  وبالتالي قبولهم واحترام خصوصياتهم ان كانوا مثليين او سحاقيات او متحولي الجنس والى ما هنالك من فروقات، منها البيولوجي وبعضها النفسي والرغبة في الاختلاف او اختبار ممارسات جنسية، طالما هي قائمة على القبول.
هذه المنهجية هي بالواقع الخلفية البعيدة لبرنامج Safe School (المدارس الآمنة) التي تسعى الحكومة الى فرضها على المدارس.. انهم يريدون انشاء مجتمع تذوب فيه التمايزات الجنسية والفروقات الشخصية. لذا لا يستبعد ان نرى عن قريب البدء بالترويج لمفردات جديدة تتلاءم مع هذه النوابا والفلسفة الاجتماعية «غير الطبيعية» – اننا نعاين الآن مرحلة تطبيع ما هو غير طبيعي وفرض عقائد تتعارض مع الحكمة الالهية.
ومع ظاهرة تأجير الارحام والانجاب بالوكالة تقوم هذه المدرسة المادية على تحويل المرأة الى مجرد «قناة للانجاب» ليس بغية انشاء عائلة لها بل لصالح علاقات غير طبيعية تسعى الى محاكاة العائلة وتقليدها. ويجب الا نفاجأ عند رؤية «بنك الاطفال» لا بل رواج صناعة الاستنساخ التي خطت خطوات متقدمة ولو سراً.
اما الخطورة الاخرى فتتعلق بالاطفال: سوف نشهد اجيالاً بدون هوية وبدون ام. جيل يعيش حالة من الألينة النفسية والغربة الاجتماعية. هذا الجيل سيسهل التحكم به بعد ان تستبدل الدولة ومؤسساتها صورة الأم الحاضنة.
جميع هذه التدابير تتخطى ارضاء ميول اقلية من المنحرفين والمثليين.. انها محاولة جادة لتدمير اهم مؤسسة اجتماعية هي العائلة. وما يرافق ذلك من دمار للمثل والاخلاق والايمان والماورائيات.
للأسف الشديد حزبا العمال والخضر اخذا على عاتقهما مسؤولية تعديل قانون العائلة وتشريع زواج المثليين. انها بداية سلسلة من التبدلات الاجتماعية الخطيرة تؤسس لقيام نظام عالمي جديد لا يعترف بوجود الله ويتمحور باختصار على اشباع الرغبات الجنسية دون الانجاب.
وحيال هذا الواقع ظهر تنظيم نسائي مناهض يدعو رجال العالم ان يظهروا رجوليتهم من خلال مواجهة هذه المشاريع المدمرة والحفاظ على انوثة المرأة، لأنها مع الرجل تؤسس لمجتمع مستقر ومزدهر ومتكامل الى اقصى الدرجات.
فالمرأة قادرة على توفير الاستقرار داخل العائلة وفي اماكن العمل والمجتمع ككل من اجل الخير العام.
فكرامة المجتمع تبدأ في احشاء الأم. وحرية المرأة تكمن بالدرجة الاولى في عدم حرمانها من هويتها الانثوية وحقها بانشاء عائلة ومساواتها اخلاقياً بالرجل، لأنها جزء مكمل له، يتكامل الاثنان في العائلة.